
انطلاقاً من التجربة الناجحة في النسخة السابقة لبطولة غرب آسيا حين وصل منتخب لبنان للناشئين إلى المباراة النهائية، كان الإنجاز الكبير بانتظار مجموعةٍ من المواهب اليافعة وصاحبة الإصرار الكبير لتحقيق شيءٍ ما.
خسارة النهائي الماضي لقيت احتضاناً من قبل الاتحاد اللبناني لكرة القدم لجهازٍ فني شاب ومواكب للتطور الذي تشهده كرة القدم الحديثة. ومع المدرب رامي اللادقي المتخصّص بحصد الإنجازات في بطولات الفئات العمرية المحلية، ظهرت شخصية المنتخب داخل الملعب بشكلٍ يشبه الذهنية الفنية المتطوّرة التي يتمتع بها، ما يترك قناعةً منطقية بأن العمل مع الفئات العمرية لا يكون مجرد تحضير لبطولة محددة، بل مساراً متدرّجاً لتكوين اللاعب يوصله ببساطة إلى الألقاب.
وفي حديثه إلى «الأخبار» عقب العودة من العقبة، قال اللادقي: «خلقنا فريقاً بروحٍ عالية، وعملنا تكتيكياً بشكلٍ حثيث على المستويين الدفاعي والهجومي، وقد كان لديّ إصرار لتطبيق الأفكار الفنية كما هي. لذا استبعدت لاعبين، ربما هم أصحاب مستوى أعلى من غيرهم، لكن بما أنهم لا يمكنهم تطبيق أفكاري في ما خصّ أسلوب اللعب، فقد كانوا خارج الحسابات».
وتابع: «وفي ظل حصولي على دعمٍ كامل من الاتحاد لاختيار الأسماء المناسبة، تمكنا من إرساء توازنٍ بين الدفاع والهجوم، بموازاة العمل على رفع المستوى البدني قدر الإمكان، إذ يجب ألا ننسى أننا تحضّرنا في فترةٍ قصيرة بعد توقف النشاط بسبب الحرب، لكن رغم ذلك أظهرنا قوتنا على مختلف المستويات، وخصوصاً أننا حافظنا على شباكنا نظيفة في أربع من أصل خمس مباريات، وهذا يدلّ على انضباط الفريق وتعامله الدفاعي بروحٍ عالية».
بطبيعة الحال، أظهرت هذه المجموعة تفوّقاً أيضاً بفضل نضج لاعبيها، وفهمهم للمتطلبات التكتيكية والانضباط داخل الملعب. وهنا تبرز أهمية المشاركة الكثيفة في بطولات الفئات العمرية للأندية والأكاديميات في لبنان، والتي أسهمت في إنتاج قاعدة أوسع من اللاعبين ومنحت الجهاز الفني مروحة خيارات أكبر.
هذه النقطة تحديداً يجب التوقف عندها، إذ إن نجاح منتخب الناشئين لا يبدأ من المنتخب نفسه، بل من الأندية والأكاديميات والبطولات التي نظّمها الاتحاد أحياناً أو الأكاديميات الخاصة في أحيانٍ أخرى.
لكن السؤال الأهم الآن: ما هو المطلوب للاستفادة من هذا الإنجاز؟
التجربة الإسبانية الذهبية
المطلوب واضح، وهو الحفاظ على هذا الجيل من اللاعبين ومواصلة الاستثمار في منتخبهم لأن اللاعب في هذه السنّ ومهما بلغ من نضجٍ يحتاج إلى بيئة تساعده على الانتقال من محطة الفئات العمرية إلى كرة القدم التنافسية للرجال.
ولعل تجربة المدرب الإسباني لويس دي لا فوينتي تقدّم مثالاً واضحاً عن قيمة الاستمرارية، والتي أوصلته في نهاية المطاف الى لقب كأس العالم بفضل معرفته باللاعبين ومراحل تطوّرهم من خلال انتقالهم معه من مستويات عمرية مختلفة وصولاً إلى المنتخب الأول. وهذا المسار اقترن طبعاً بالحفاظ على الكثير من الأفكار الفنية التي عرفوها في مراحلهم السابقة، وقد عمل معهم على تطويرها، فكانت النتيجة المثالية.
يُفترض أن يتمّ تشجيع الأندية على إشراك الناشئين مع فرق الرجال
ويعلّق اللادقي على هذه النقطة: «الفكرة قد لا تكون بعيدة من تخطيط الاتحاد للمستقبل، إذ يعلم القيّمون مدى الجودة التي نملكها، وبالتالي الكل يريد البناء من أجل مستقبلٍ أفضل للمنتخبات الوطنية».
لكن الأكيد أن الاستمرارية لا تعني أن يبقى كل شيء ثابتاً، بل أن تتطوّر المجموعة من دون أن تفقد هويتها، لذا فإن فكرة إبقاء المدرب نفسه مع هؤلاء اللاعبين قد تؤتي ثمارها لأن المنهج عينه إذا ما انتقل معهم من مرحلة إلى أخرى ستكون النتيجة إيجابية بلا أدنى شك.
مسؤولية على الأندية
وفي موازاة ذلك، يجب فتح قنوات التواصل مع الأندية اللبنانية، ووضعها أمام مسؤولية استثمار هذا الجيل، فهؤلاء اللاعبون يحتاجون إلى دقائق لعب على أعلى مستوى لا التدرّب فقط مع فرق الرجال. من هنا يُفترض أن يتمّ تشجيع الأندية على منحهم فرصاً في فرق الدرجة الأولى أو الثانية، حتى لو كانوا أصغر سناً من المعدل المعتاد كون اللاعب الناشئ لا يتطوّر بخوض التمارين حصراً بل يحتاج إلى الاحتكاك بلاعبين أكبر منه سنّاً للتعلّم من أخطاء المباريات والاعتياد على ضغوطها.
كما لا يمكن إغفال أهمية المعسكرات والمباريات الدولية وجمع هؤلاء اللاعبين للتدرّب بصورة منتظمة للعمل على تطوير جوانب أساسية والبناء على نقاط القوة التي أظهروها في بطولة غرب آسيا. وهذه مسألة قد تكون متابعتها بطريقة علمية من خلال إنشاء قاعدة بيانات ومتابعة مستمرة لكل لاعب عبر مراقبة تطوّره الفني والبدني، والتنسيق بين المنتخب والأندية، وتحديد مسار واضح لكل لاعب بحسب حاجاته وإمكاناته لأن الواعدين يضيعون أحياناً لا بسبب نقص الموهبة، بل بسبب غياب المتابعة في المرحلة الانتقالية بين الناشئين والرجال.
لذا يمكن القول إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة حماية للإنجاز، لا الاكتفاء بالاحتفال به، ولقب غرب آسيا يمكن أن يكون نموذجاً لما يمكن أن تحققه كرة القدم اللبنانية إذا ما تمّ توفير ثلاثة عناصر أساسية وهي: الاستمرارية، التخطيط، والاستثمار في المواهب.
باختصار، هذا الجيل أعطى كرة القدم اللبنانية سبباً جديداً للتفاؤل، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام امتحانٍ أكبر، إذ إن النجاح الحقيقي هو في رؤية عددٍ من هؤلاء اللاعبين يرتدون قميص المنتخب الأول في المستقبل.




