اخبار محليةالرئيسية

أوروبا تبحث عن دور أمني لا يزعج أميركا وإسرائيل

الأخبار

لم تكن زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى بيروت مجرد جولة دبلوماسية لبحث الدعم الأوروبي للبنان، إذ حملت إشارة سياسية تتجاوز الإعلان عن بعثة أوروبية جديدة لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. فالموقف الأبرز الذي خرجت به الزيارة يتعلق بسؤال حول مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفل» من دون وجود صيغة بديلة حتى الآن.
وقد كانت كالاس واضحة بتأكيد أن دول الاتحاد الأوروبي تؤيد تمديد مهمة «اليونيفل»، وأنه «لا يمكن السماح بفراغ أمني في جنوب لبنان»، مضيفة أن تمديد الولاية «سيكون موضع ترحيب كبير». وبذلك، تبدو أوروبا متمسكة ببقاء القوة الدولية، في وقت تدفع فيه واشنطن وتل أبيب باتجاه إعادة صياغة الدور الدولي في الجنوب.

ولا تكمن أهمية الموقف الأوروبي في تأييد التمديد، بل في أنه يكشف أن الاتحاد الأوروبي لا يملك حتى الآن بديلاً جاهزاً لـ«اليونيفل». فالبعثة الأوروبية التي يجري التحضير لها ليست قوة انتشار أو حفظ سلام، ولا تستطيع الحلول مكان القوة الدولية في الجنوب. وقد شددت كالاس نفسها على أن البعثة الجديدة «لن تشكل بديلاً عن قوة يونيفل»، محذرة من خطورة انتهاء مهمة دولية قبل بدء مهمة أخرى قادرة على الاضطلاع بدور التحقق من تنفيذ التفاهمات.
من هنا، يبدو أن أوروبا تتحرك على خطين متوازيين: العمل على إبقاء «اليونيفل»، أو إيجاد صيغة دولية تمنع الفراغ في الجنوب، بالتوازي مع بناء إطار أوروبي طويل الأمد لتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية.
البعثة الجديدة، التي يفترض أن تمتد مهمتها لثلاث سنوات، تأتي في إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي، وتركز على التدريب والاستشارة وبناء القدرات. وتشمل دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في مجالات مراقبة الحدود، والاستطلاع والاستخبارات، وأمن الحدود البرية والبحرية، إضافة إلى تطوير قدرات الوحدات المتنقلة والدرك وإدارة المرافئ والحدود.

وفي هذا الجانب، تتقاطع البعثة في فلسفتها مع تجربة «Military Technical Committee for Lebanon – MTC4L»، لناحية التركيز على تطوير قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية عبر الدعم الفني والتدريب والاستشارة، وإن كانت البعثة الأوروبية أوسع من حيث إطارها السياسي والمؤسساتي.

أما لبنان، فقد وافق على مبدأ إنشاء البعثة بعد مسار حكومي لم يخلُ من الملاحظات. فقد عرضت وزارة الخارجية الملف على مجلس الوزراء في جلسته ما قبل الأخيرة، قبل أن يطلب بعض الوزراء سحب المذكرة لتعذر الاتفاق على صياغتها، وإتاحة المجال للاطلاع عليها مجدداً. وبعد ذلك، ثُبّتت الموافقة اللبنانية على مبدأ إنشاء البعثة، بما يسهّل التواصل مع الأوروبيين، على أن يُبحث البرنامج التفصيلي لاحقاً بعد حصول الوزراء على النصوص المرفقة.

وتكتسب هذه الموافقة أهمية في مرحلة تحاول فيها الدولة تعزيز دور الجيش والقوى الأمنية، بالتوازي مع البحث في مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. واللافت، بحسب ما نُقل عن وزيري الدفاع ميشال منسى والداخلية أحمد الحجار قبل جلسة أمس، أن البعثة لا تتولى مهام مباشرة في جنوب الليطاني، خصوصاً في ظل استمرار المواجهة والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، فيما يبقى القرار 1701 أحد الأطر المرجعية التي يستند إليها الأوروبيون في مقاربة الوضع الأمني.
يبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطاً بالموقف الأميركي والإسرائيلي. فواشنطن وتل أبيب تعارضان استمرار «اليونيفل» بصيغتها الحالية، وتدفعان باتجاه جعل الترتيبات الناتجة من «اتفاق الإطار» مرجعية أساسية للمرحلة المقبلة. وفي المقابل، لم تظهر حتى الآن مواقف واضحة من القوى الرئيسية حيال مشروع البعثة الأوروبية نفسه، ما يفتح اختباراً سياسياً حول قدرة أوروبا على تعزيز حضورها الأمني في لبنان من دون الاصطدام بالتصور الأميركي والإسرائيلي للمرحلة المقبلة.
المفارقة أن إسرائيل، التي تستفيد أمنياً من غياب أو تقليص الدور الدولي، تواصل في الوقت نفسه إبقاء الجنوب في حال توتر، بينما يرى لبنان أن انتهاء عمل اليونيفل من دون بديل يعني فقدان آلية دولية للرقابة والتوثيق في لحظة لا تزال فيها الأراضي اللبنانية عرضة للاعتداءات.

لكن مسؤولاً في جهة رسمية قال لـ«الأخبار» إن ما يقترحه الجانب الأوروبي «لا يتعارض في جوهره مع المطالب الإسرائيلية». وأوضح أن مهمة التدريب لا تشمل جنوب لبنان ولا تتيح للاتحاد الأوروبي الانتشار جنوب نهر الليطاني، بل تتركز على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، إلى جانب تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية في المنافذ الأخرى، من المطار إلى المرافئ اللبنانية. وبحسب المسؤول، فإن هذا البرنامج سيكون خاضعاً لتنسيق بين الأوروبيين والأميركيين، لناحية المساعدة في برنامج يهدف، وفق وصفه، إلى «محاصرة المقاومة».

ومع ذلك، فإن كلام كالاس عن «اليونيفل» قد يكون أهم من الإعلان عن البعثة الجديدة نفسها. وعندما تقول إن «الفراغ الأمني» غير مقبول، فهي تشير عملياً إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يعتبر مرحلة ما بعد «اليونيفل» محسومة، ولا يرى في البعثة الأوروبية المقترحة بديلاً قادراً وحده على سد هذا الفراغ.
وبين تمسك لبنان بحضور دولي في الجنوب، والإصرار الأميركي والإسرائيلي على إعادة تعريف قواعد المرحلة المقبلة، تحاول أوروبا الحفاظ على موقعها في المعادلة اللبنانية عبر دعم الجيش وبناء قدراته، وعدم ترك الجنوب من دون مظلة دولية. وعليه، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول إنشاء بعثة أوروبية، بل حول السؤال الأكبر: مَن يتولى الدور الدولي في جنوب لبنان بعد «اليونيفل»، وبأي تفويض ومرجعية؟

عون: لا يمكن ترك التفاوض
في هذه الأثناء، يواصل أركان السلطة التشاور في ما بينهم ومع الجانب الأميركي حول المرحلة المقبلة من المفاوضات. وكان لافتاً ما نقله أحد زوار القصر الجمهوري عن الرئيس جوزيف عون، بأن لبنان «لا يمكنه ترك مسار التفاوض، ولو أن الظروف الحالية لا تسمح بتوقع تغيير كبير في موقف إسرائيل». وقال عون: «كلنا يعرف أننا سنضطر إلى انتظار مرحلة ما بعد الانتخابات في إسرائيل وفي أميركا، خصوصاً أن جميع المسؤولين الأميركيين يركزون نشاطهم على الشأن الانتخابي الداخلي وملف الحرب مع إيران، ولا يتوقع أن تمارس الإدارة أي ضغط على إسرائيل في هذه المرحلة». وكرر «إن المهم بالنسبة إلى لبنان اليوم، هو الحؤول دون لجوء رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى تصعيد عسكري في لبنان لخدمة برامجه الانتخابية».
وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة أن الأميركيين عادوا ليبحثوا مع المسؤولين اللبنانيين في «الإجراءات الأكثر نجاعة» لمنع وصول أموال إلى حزب الله. وبحسب المصادر، جرى بحث الموضوع أيضاً مع السلطات في العراق وسوريا، مع تكرار الحديث عن ضرورة أن تمنع الدولة حزب الله من استغلال حاجات النازحين لإدخال أموال إلى لبنان. كما سأل الجانب الأميركي عن مصير الإجراءات المتخذة في حق «القرض الحسن».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى