اقتصادالرئيسية

لا ثقة بمصرف لبنان: هيئة مستقلّة لـ«إعادة هيكـلة المصارف»

في 16 تموز 2020 أصدر حاكم مصرف لبنان مذكرة إدارية رقمها 2272 ترمي إلى إنشاء لجنة خاصة لـ«إعادة هيكلة المصارف». كانت هذه اللجنة بمثابة إقرار بوجود خسائر محققة في المصارف تستدعي إعادة هيكلتها جميعاً. وهي جاءت مباشرة بعد إطاحة لجنة المال النيابية بخطّة التعافي، لتكون هذه اللجنة بمثابة غطاء للتهرّب من تحديد الخسائر والقيام بالإجراءات القانونية من تصفية ودمج وسواها مما يطاول تعديلاً في بنية وهيكلية القطاع المصرفي. هذه الخطوة وما تلاها، أتاحت لمصرف لبنان التهرّب من الاعتراف بخسائره التي تستوجب أيضاً إعادة هيكلته، لذا يجب أن تكون إعادة الهيكلة في القطاع عبر «هيئة مستقلّة»

«65 مليار دولار هي الخسائر المتوقّعة للمصارف اللبنانية بعد إعادة هيكلة القطاع المالي (…) ما يجعلها مُفلسة»، بحسب تقديرات وردت في تقرير أصدره الخميس الماضي رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في «غولدمان ساكس» فارق سوسا. وفي إحدى مراسلاته لوزارة المالية (في عهد الوزير السابق غازي وزني)، يُقدّر صندوق النقد الدولي الخسائر الإجمالية في مصرف لبنان والمصارف بنحو 113 مليار دولار، أي أعلى من تقديرات «خطّة التعافي» البالغة 80 مليار دولار في نيسان 2020.
يفترض بهذه الخسائر الضخمة أن تكون مدخلاً نحو هيكلة القطاع المصرفي كأولوية لا يعلو سواها أي عمل آخر. لكن تحالف البنك المركزي – المصارف – القوى السياسية المنضوية في «حزب المصرف»، تمكنت من قلب جدول الأعمال لتصبح طباعة النقد مدخلاً لتقليص خسائر المصارف عبر هيركات مقنّع على أموال المودعين، على أن تتم لاحقاً عمليات شكلية تندرج تحت إعادة الهيكلة من نوع التصفية والدمج وسواها. عملياً، كان يتم تنظيف الميزانيات على حساب المودعين والمجتمع والاقتصاد، ومن دون إجبار المصارف على رسملة نفسها بأموال طازجة بالعملات الأجنبية. وفي السياق نفسه ولدت تسوية في البيان الوزاري لتضمينه عبارة «إصلاح القطاع المصرفي وإعادة الهيكلة حيث يجب». بدا كأن الحكومة تعبّر مسبقاً عن ممارسة انتقائية في التعامل مع القطاع المصرفي لتجنب أي التزام يمسّ بالبنية الحالية للمصارف، ومن دون أن تنظر إلى مفاعيل تغافل مصرف لبنان، عمداً، عن إعادة هيكلة المصارف التي «تترك لبنان مع مصارف غير مؤهلة لدعم التعافي الاقتصادي» كما ورد في تقرير سابق صادر عن وكالة «ستاندرد أند بورز».
النقطة المحورية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي تتمحور حول تحديد الخسائر في ميزانيات البنك المركزي والمصارف. الخسائر حدّدها مصرف لبنان في التعميم 543 على النحو الآتي:
– تحتسب الخسائر المتوقعة على توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان بنسبة 1.89 في المئة.
– تحتسب الخسائر المتوقعة على توظيفات المصارف في سندات الخزينة بالعملات الأجنبية (يوروبوندز) بنسبة 45 في المئة.
تتعارض هذه الطريقة في الاحتساب مع معايير المحاسبة العالمية. لذا، لم تعترف شركات التدقيق بصحة ميزانيات المصارف. «فكيف تنجح إعادة هيكلة قبل تحديد الخسائر؟»، يسأل مسؤول سابق في مصرف لبنان. عددٌ من المصارف طلب احتساب «10 في المئة أو 11 في المئة مؤونات على توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، لكن حين يُحدّد سلامة هذه النسبة المُتدنية، فكأنّه يعتبرها أصولاً مُنتجة ولم تتعرّض لمخاطر عالية، وهذا أمر غير صحيح». لا بل هو يواصل تسديد الفوائد عليها!
حجم الخسائر هو المعيار «الذي على أساسه يُحدَّد إذا كان المصرف قادراً على الاستمرارية أو مُفلساً»، يقول المصرفي والوزير السابق عادل أفيوني. يوافق على أنّ «الخلاف الكبير مصدره الدين السيادي، والموجودات في البنك المركزي. إذا لم نصل إلى أجوبة في هذا الخصوص يعني أنّ جزءاً كبيراً من الميزانيات مشكوكٌ بتقييمها، ولا يوجد أي مُدقّق عالمي يوافق عليها».
وفق هذه القاعدة، بحسب المسؤول السابق في مصرف لبنان، «توضع خطّة التعافي (Resolution plan)، وتتولّى هيئة مستقلّة تحديد المصرف المُتعثّر أو المُعَرَّض للتعثّر، ليتمّ بناءً على ذلك حسم أي من المصارف التجارية قادرة على الاستمرار، وأي منها يجب تصفيته أو دمجه مع مصرف آخر». يعتقد أنّه لا مفرّ من آلية العمل هذه «لأنّ القرارات والتعاميم العادية لم تعد نافعة في إعادة إنعاش المصارف، لا بل على العكس ستُسهم في تعميق عدم الاستقرار المالي وزيادة تأثيره في المصلحة العامة».

الحلّ في خطّة تعاف تتولّى تطبيقها هيئة مستقلة

يقول المستشار السابق لوزير المال، هنري شاوول (أحد أعضاء الوفد التفاوضي مع صندوق النقد الدولي في حكومة حسّان دياب)، إنّ «المشكلة ليست في وجود الخسائر، لأنّها واضحة وأحد الأدّلة على ذلك عملية تحويل 70 في المئة من الودائع من الدولار إلى الليرة لإخراجها من المصارف (وتقليل الخسائر في ميزانيات القطاع المصرفي)، بل في الاعتراف بها، وتحديد من يجب أن يُغطّيها». الآلية الصحيحة لتغطية الخسائر هي في أن «يأتي المساهمون بالمال ويضخّونه في المصارف». شاوول كان أحد الذين عملوا في حزيران على خطّة لإعادة الهيكلة تفتح «نافذة حوار» مع أصحاب المصارف عبر عملية إنقاذ داخلية جزئية وليست شاملة، أي عدم خسارة المساهمين لكامل رأسمالهم، «طرحنا في خطّة الإنقاذ السابقة حماية أكثر من 95 في المئة من المودعين وفرض هيركات على الودائع ما فوق الـ500 ألف دولار وأن يدفع المساهمون حصّتهم من الخسارة، فأسقطوها. حاولنا هذه المرّة أن نُرخي الحبلة قليلاً، ونقول لهم إنّ مساهمتهم في تحمّل الخسارة لن تكون شاملة، وحتّى هذا الأمر لم يتجاوبوا معه». علماً بأنّ إعادة الثقة في البلد «تبدأ من إعادة الثقة في القطاع المصرفي. كيف ستُمَوّل هذه العملية؟ هذا قرار سياسي».
القرار السياسي الوحيد للسلطة السياسية هو في إنقاذ أصحاب المصارف. يُشير أفيوني إلى أنّه «عملياً الجميع اتّخذ المودع رهينة، وبخاصة صغار المودعين المُحتاجين إلى ودائعهم ليعيشوا وغير قادرين على انتظار الحلّ، فأجبروه على سحب أمواله وفق سعر صرف 3900 ليرة، ما أدّى إلى خفض خسائر القطاع المصرفي. نتيجة هذا النكران للخسائر، أصبح لدينا نظام مصرفي أول الخاسرين فيه هم المودعون عوض أن يكون المساهمون. بأي نظام رأسمالي هذه هرطقة». وبما أنّ هذا الوضع بات مُستنزفاً للمجتمع والإنتاج، ولم يعد ممكناً انتظار الحلّ الكبير والاتفاق على الخسائر، «يجب فصل النشاط التجاري عن المحفظة السيادية للمصرف، فتوضع الأخيرة في صندوق يملكه المودعون الكبار والمساهمون». يشرح أفيوني أنّه بهذه الطريقة «نكون قد حجّمنا المصارف، وحصرنا نشاطها بالإنتاج، أما الصندوق السيادي فيخوض مفاوضات جانبية مع الدولة حول طريقة توزيع واحتساب الخسائر».
من جهته، يتحدّث شاوول عن حجم القطاع المصرفي الكبير جدّاً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، «اقتصادياً هذا لا يجوز، ولا مفرّ من دمج المصارف». يُذكّر بأنّه ما بين آذار 2020 وآذار 2021، أُقفل مليون و200 حساب من أصل مليونين و700 حساب، «هؤلاء هم تقريباً المودعون الصغار والمتوسطين. ماذا يُريدون حالياً؟ استخدام أملاك الدولة لدفع أموال كبار المودعين والمساهمين؟». هنا يتفق شاوول مع المسؤول المصرفي على أن سرّ نجاح خطّة التعافي التي يحتاجها القطاع «بوجود هيئة مستقلة، غير مرتبطة بمصرف لبنان أو بأي لجنة أو هيئة رقابية حالية. يجب أن تمتلك هذه الهيئة صلاحيات الولوج إلى حسابات المصارف وتصنيفها بين متعثّر وقابل للاستمرار». وذلك يتم في إطار دراسة ميزانيات المصارف لتحديد نسب السيولة المطلوبة والرسملة لكلّ منها. «ومن المهم أن تكون خطة التعافي متطابقة مع المعايير الدولية لتقليل المخاطر». المهم، يقول شاوول، «تكسير الروابط بين المصارف والقطاع العام. لا يُمكن تعيين مسؤولين سياسيين هم أعضاء في المصارف أو تربطهم علاقات، ثمّ نفترض أنهم سيتمكنون من مفاوضة صندوق النقد وإعادة هيكلة المصارف».

فكفكة «المركزي» وإعادة تركيبه
إعادة هيكلة القطاع المصرفي لا تتعلّق فقط بالمصارف، بل جزءٌ أساسي منها يقوم على إعادة هيكلة مصرف لبنان. خسائره تؤثّر في قراراته المتعلقة بتحديد السياسات النقدية، ولا سيما في إحدى أهم أدواته للدفاع عن النقد والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي: الاحتياطي بالعملات الأجنبية. في البنك المركزي يجب أن تنطلق «ورشة» تطاول مواد عدّة في قانون النقد والتسليف، خصوصاً ما يؤدّي إلى تعزيز دور الجهات الرقابية بعيداً من سلطة المصرف المركزي عليها، وتعزيز صلاحيات مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان حتى يتمكن من طرح التناغم بين السياسات المالية والسياسات النقدية في المجلس المركزي لمصرف لبنان حيث تتخذ القرارات. ومن الأمور الأساسية أيضاً، فصل مصرف لبنان عن هيئة الأسواق المالية، وفصل هيئة التحقيق الخاصة عن مصرف لبنان، وتحويل لجنة الرقابة على المصارف إلى سلطة قائمة بذاتها، بهدف عدم حصر الصلاحيات في شخص واحد يمكنه تعطيل عمل الهيئات ومنع الرقابة والمحاسبة. أما في الأدوار الوظيفية لمصرف لبنان فيجب أن تحدّد بشكل أوضح بالإضافة إلى آليات التنفيذ بعد تحديد صلاحياته المفتوحة بشكل شبه مطلق، وتحديد أولوياته ضمن هذه الصلاحية، خصوصاً أنه استعمل الحفاظ على القطاع المصرفي كأولوية تسبق الحفاظ على سلامة النقد الوطني، وسلامة الاقتصاد.

ليا القزي – الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!