اخبار محليةالرئيسية

الحريري يعيد تموضعه… “شهر العسل” انتهى مع “حزب الله”!

منذ اعتذاره عن تشكيل الحكومة، وتسليمه الراية لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي لاستكمال “المهمّة المستحيلة”، يُرصَد سلوك جديد ومثير للانتباه لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، لا سيّما وأنّه يختلف عن كلّ الأدبيّات التي دأب عليها بمثابرة لافتة منذ ما قبل استقالته الشهيرة على وقع انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول، ولم يخرقه حتى في مرحلة حكومة حسّان دياب التي تبنّى معارضتها.

لعلّ “التطبيع مع حزب الله” شكّل عنوانًا واضحًا لهذه المرحلة، التي كثر فيها الحديث عن “تحالف إسلاميّ”، يجمعه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، و”الحزب” من خلفه، إضافة إلى “الحزب التقدمي الاشتراكي”، بما ذكّر بمرحلة “التحالف الرباعي”، فغابت الانتقادات والسجالات، ليحلّ مكانها “الثناء والمديح”، حيث تولّى المقرّبون من الحريري أكثر من مرّة “الإشادة” بأداء الحزب ووفائه بوعوده.

لكنّ شيئًا ما اختلف في الأسبوعين الأخيرين، اللذين شهدا على يمكن وصفه بـ”الانقلاب السياسي”،وهو ما أوحى على الأرض بأنّ “شهر العسل” بين الحريري و”حزب الله” انتهى، بدليل مسارعة “الشيخ سعد” إلى “التصويب” بعنف على الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، متسلّلاً من “ثغرة” بواخر المحروقات الإيرانية، التي عدّها “استهتارًا” بالدولة، وتعريضًا لمصالحها إلى الخطر، من بوابة العقوبات الدولية.

قد لا يكون هجوم الحريري القاسي والعنيف على “حزب الله” مُستغرَبًا، بقدر ما كان دفاعه عنه وتطبيعه معه منطقيًا وواقعيًا في الأشهر الأخيرة، وفق ما يقول الكثير من المراقبين، مشيرين إلى أنّ رئيس الحكومة السابق كان يدرك على امتداد المرحلة السابقةبأنّ مصلحته السياسيّة “الآنيّة” هي مع “الحزب” الذي وفّر له، خصوصًا في مرحلة “القطيعة” مع “العهد”، أو بالحدّ الأدنى، الخصام معه، الغطاء السياسيّ الذي احتاجه.

ومع أنّ الحريري كان يحرص طيلة هذه المرحلة على “التمييز” بين “حليفه وصديقه” رئيس مجلس النواب، وبين “حزب الله”، تفاديًا لأيّ “إحراج”، ومنعًا لأيّ تفسيراتٍ وتأويلاتٍ قد تكون في غير موضعها، إلا أنّ المقرّبين منه والمحسوبين عليه، لم يتردّدوا بالتوازي مع كلّ ذلك في توزيع “الشهادات” لقادة الحزب، علمًا أنّ “التنسيق” بين الجانبين كان قائمًا على أكمل وجه، وبما يغطّي كلّ “شاردة وواردة” يمكن أن تخطر على البال.

ويقول العارفون إنّ الحريري كان يَدين لـ”حزب الله” بشكلٍ أساسيّ تمسّكه به مرشّحًا وحيدًا لرئاسة الحكومة، رغم كلّ اعتراضات وتحفّظات حلفائه “العونيّين”، الذين سعوا في أكثر من محطة لـ”الانقلاب” عليه، لكنّهم اصطدموا برفض الحزب المطلق، حتى إنّ “المستقبليّين” كانوا يتفاعلون مع “صمت” الحزب، أو “نأيه بنفسه”، عن الكثير من الاشتباكات السياسيّة، بوصفه “بادرة إيجابيّة”، ولو أنّه لم يكن يقرنها بـ”الضغط” المطلوب على رئيس الجمهورية وفريقه.

لكن، في مقابل هذه الإيجابية، ثمّة من يقول إنّ الحريري، من حيث يدري أو لا يدري، “راكم” استياء لا لبس حوله، لدى الكثير من الأصدقاء والحلفاء، وحتّى من كان يعتبرهم “عرّابيه”، نتيجة قربه من “حزب الله”، وهو ما تجلّى بوضوح في الأسابيع الأخيرة من خلال فشل الحريري في الحصول على أيّ لقاء في السعودية مثلاً، وشعوره بأنّ المملكة نقلت “البندقية” من كتفه إلى أكتاف أخرى، لعلّ أبرزها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.

ويرى العارفون أنّ هذه المرحلة وما رافقها من “التباسات” جعلت الحريري يعيد النظر بالكثير من سياساته، فهو لم يعتذر عن تكليف الحكومة، وفق ما توحي المعطيات، إلا بعدما تيقّن بوجود “فيتو” عليه من القيادة السعوديّة، التي رفضت التجاوب مع كلّ المبادرات والوساطات، التي دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه على خطّه، لتأليف ولو لقاء “يتيم” مع الحريري، ولو من باب “رفع العتب”.

لذلك، كان من الطبيعي أن يسعى الحريري، بعد “انسحابه” من مهمّة تأليف الحكومة، إلى إعادة “التموضع” سياسيًا، بما يسمح له باستعادة “الثقة” التي فقدها، فكان هجومه على “حزب الله”، ودفاعه عن الشرعيّة، وعن أصدقاء لبنان وحلفائه، من بوابة “البواخر الإيرانية” التي شكّلت له “فرصة ذهبية” للانسجام مع النفس أولاً، ولتسجيل النقاط السياسيّة ثانيًا، لا سيما بالنظر إلى “حساسيّة” الوضع الإيراني لعرّابيه.

ويرجَّح أن يتواصل “تكتيك” الحريري الجديد في المرحلة المقبلة، بل أن يتعزّز، بمُعزَلٍ عن مسار تشكيل الحكومة، ولكن من دون أن يصل إلى مرحلة “الصدام الكلّي” مع “الحزب”، تمامًا كما كان يحصل في مراحل تاريخيّة سابقة، حين كان “الاشتباك” السياسيّ والإعلاميّ بين الجانبين في ذروته، تزامنًا مع حوار مفتوح بينهما برعاية رئيس مجلس النواب، يتمّ تبريره بـ”الخصوصيّة اللبنانيّة”، فضلاً عن “قواعد الاشتباك” المعمول بها.

ولعلّ هذه “الخصوصيّة” لا تزال تشكّل “نقطة القوة” التي يمتلكها الحريري في صراعه مع “حزب الله”، لا سيّما وأنّ الأخير “ينأى بنفسه” عن كلّ هجوم يشنّه الأخير عليه، بل إنّه يبدي “تفهّمه” لحيثيّاته وخلفيّاته، بالنظر إلى الواقع الإقليميّ للرجل، والذي “لا يحسده” عليه أحد، علمًا أنّ أوساط “الحزب” تعمّدت غضّ النظر بالكامل عن ردود الحريري المتلاحقة على خطابي نصر الله الأخيرين لهذه الأسباب بالتحديد.

في النتيجة، يسعى الحريري من خلال “إعادة التموضع” ضرب أكثر من عصفور بحجر، فهو “يخاطب” جمهوره وجدانيًا وانفعاليًا بما يهوى هذا الجمهور سماعه، وما قد يفيده على أبواب الانتخابات المفترضة، لكنّه “يخاطب” أيضًا “عرّابيه”، معلنًا ما يشبه “التوبة” عن تراكماتٍ طويلة، لعلّه يعود إلى “قواعده” سالمًا. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب “رهينة” سياسات لم تعد تعنيه، وهو الباحث عن “خلاص” من الكوارث المتلاحقة!.

النشرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!