اقتصادالرئيسية

3 مؤشّرات سلبيّة لتمديد دفع الودائع بالليرة…

مع تمديد العمل بمضمون التعميم رقم 151 الذي يسمح بـ”إجراءات استثنائيّة” للسحوبات من حسابات الدولار، أي سحب “اللولار” بسعر 3900 من مصارف لبنان التي أوقفت دفع الدولارات… يكون مصرف لبنان قد بعث بثلاثة مؤشرات سلبيّة. الأوّل يخص القطاع المصرفيّ نفسه، والثاني يخصّ العمليّة الحكوميّة والكباش الواقع بين رئاسة الجمهوريّة والرئيس المكلّف سعد الحريري، في حين أنّ المؤشر الثالث والأهم يخصّ المودعين وتسعيرة الـ3900 ليرة لبنانيّة.

لكن قبل الخوض في هذه المؤشرات لا بدّ من الفصل بين أمرين يقع أغلبية اللبنانيّين ضحية عدم التمييز بينهما: فمضمون التعميم رقم 151 يتحدّث عن “إجراءات استثنائيّة” لحسابات الدولار ويجيز للمصارف دفعها بالليرة اللبنانيّة، ولا يأتي على ذكر التسعيرة تاركاً مسألة تحديدها لمنصة “المركزيّ” (صيرفة) التي وعد مصرف لبنان بإعادة تفعيلها الأسبوع المقبل ثمّ تراجع عنها.

 

في حينه ارتأى المركزيّ لأسباب “مجهولة ومعلومة” أنّ يُحدّد سعر دولارها (فعلياً “لولارها”) بـ3900 ليرة. وعليه، لا يعني أبداً تمديد العمل بالتعميم المذكور التمديدَ للتسعيرة نفسها أيضاً، التي سنأتي على سبب تسعيرها ضمن هامش 3900 ليرة لا أكثر ولا أقلّ.

1- المؤشّر السلبيّ الأوّل يخصّ المصارف ومدى التزامها مضمونَ التعميم 154، الذي انتهت مهلته نهاية شهر شباط، وتزامناً أعلن “المركزيّ” أنّه سيبدأ بمراجعة أوضاع المصارف في إطار خطّته لإعادة هيكلة القطاع. لكن يبدو أنّ البيانات التي وصلت إلى “المركزيّ” وتسنّى له الاطّلاع عليها منذ نهاية شباط إلى اليوم، غير مشجّعة، برغم إعلان مصرف لبنان عن امتثال أغلب المصارف.

فلو استطاعت المصارف أن تزيد من منسوب رساميلها الدولاريّة، وأنّ “تُكَوِّن حسابات خارجيّة حرّة لدى المصارف المراسلة بنسبة 3% من مجموع ودائعها”، ومن إقناع مودعيها الكبار بـ”إعادة 15%، وكبار مساهميها 30% من أموالهم المحوّلة إلى الخارج”، واستطاعت “إعادة تفعيل نشاطاتها وخدمتها المعتادة لعملائها بما لا يقلّ عما كانت عليه قبل تشرين الأوّل 2019” كما تنصّ المادّة الأولى من التعميم المذكور… لما كان مصرف لبنان قد اضطُرّ إلى إعادة العمل بهذه “الإجراءات الاستثنائية” من أجل دفع الودائع بالليرة، وكان أعاد القطاع المصرفيّ إلى العمل ضمن الستاتيكو (Statu quo) الذي كان قائماً قبل هذا التعميم عندما كانت المصارف تدفع الودائع بالدولار وفق ظروف كل مصرف على حدة (200 أو 300 أو 500 دولار شهرياً بأوراق الدولار النقديّ لا بالليرة).

2- المؤشّر الثاني سياسيّ ويتعلّق بمدّة التعميم: من يراقب سلوك مصرف لبنان والمجلس المركزيّ تحديداً، يلاحظ أنّ الأخير يتعامل مع المهل بحذر شديد ودقّة. كان يستغلّ كامل الوقت المتاح من أجل إعلان أيّ مهلة أو تمديد أيّ قرار حتى الساعات أو الأيّام الأخيرة. لكنّ تمديد التعميم 151 استبق المهلة بنحو أسبوع، وجاء توقيته حرجاً، إذ كنّا قاب قوسين أو أدنى من تشكيل حكومة جديدة.

مصادر مطلّعة لـ”أساس” كشفت أنّ مصرف لبنان، حتى الأيّام الماضية الأخيرة، لم يكن قد حسم قرار تمديد التعميم المذكور، بل كان ميّالاً إلى التخلّي عنه فيما لو أبصرت حكومة الحريري النور، لأنّها كانت كفيلة بدفع العمليّة الاصلاحيّة قدماً، وبترك أثر إيجابيّ في السوق.

أمّا مهلة الشهور الستّة التي لحظها التعميم (حتّى نهاية أيلول) فتعني، بطريقة أو بأخرى، أنّ المصرف المركزيّ ما عاد يعوّل على تشكيل الحكومة قريباً، ما انسحب على المنصّة الجديدة التي أعلن القصر الجمهوريّ اقتربَ موعد تفعيلها، ثم تراجع مصرف لبنان عن ذلك قبل أيام، مع تراجع منسوب التفاؤل الحكوميّ… وربّما المهلة التي أعطاها للتعميم تشير أيضاً إلى عمق الأزمة السياسيّة.

3- المؤشّر السلبيّ الثالث يخصّ ودائع المودعين: الحفاظ على تسعيرة الـ3900 ليرة لبنانية على الرغم من ارتفاع سعر الصرف إلى ما فوق 10 آلاف ليرة (سعر الصرف اليوم 12300/12800 ليرة لبنانية) يعني أنّ المركزيّ والمصارف يمارسان عملية Haircut فتّاكة، تصل نسبتها إلى الثلثين 2/3 من القيمة الفعليّة لودائع الدولار.

هذا السعر قد يرفع مستقبلاً من نبرة المودعين وصرخاتهم الداعية إلى رفعها رأفةً بما بقي من أموالهم الدولاريّة لدى المصارف. لكنّ للمصرف المركزيّ حسابات أخرى مختلفة كلياً عن تلك التي تخصّ المودعين الخائفين على أموالهم وعن المصارف التي تتهرّب من مسؤولياتها. “المركزي” مأزومٌ ويبحث عن سبلٍ كفيلة بخفض حجم الكتلة النقديّة التي طبعها وضخّها في السوق وباتت تُنبىء بقرب انفجار “التضخّم المفرط” وليس العكس، ولن يكون وارداً لديه رفعُ هذه التسعيرة في هذا التوقيت على الإطلاق، لأنّ العملة الوطنيّة وقدرتها الشرائيّة ستكونان أول من يدفع الثمن.

على الرغم من هذا كله سيبقى النقاش مفتوحاً حول شكل تسعيرة 3900 ليرة. كيف يجري احتسابها؟ وما السبب خلف التمسّك بها؟

في هذا الصدد يقول خبير المخاطر المصرفيّة الدكتور محمد فحيلي إنّ اللغز خلف هذه التسعيرة يكمن في تحديد “سعر صرف منطقيّ”، سائلاً من أين أتى مصرف لبنان برقم 3900 ليرة للدولار الواحد (لولار)؟

يرى فحيلي أنّ السحوبات “تُخَفض من المطلوبات (Liabilities) بالدولار عند المصارف”، و”تخفض من حجم توظيفات المصارف بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان”، ولكن ما لا نعرفه هو “سعر الصرف الذي يعتمده مصرف لبنان مع المصارف نفسها في هذه السحوبات”.

فالعميل يبيع دولاراته المسحوبة للمصرف مقابل 3900 ليرة لكل دولار (لولار) غير مخيّر، وبدورها المصارف تعرض الدولارات المسحوبة للبيع لدى مصرف لبنان الذي يأخذها منها لقاء سعر مختلف عن تسعيرة 3900 ليرة لبنانية… “وهنا مكمن السرّ الكبير”!

رأي آخر يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى سعر الصرف الحقيقيّ الذي كان يدعو صندوق النقد الدوليّ مصرفَ لبنان إلى اعتماده بفعل التخلّي عن سياسة تثبيت سعر الصرف. ويتقاطع هذا السعر بين الصندوق وأغلب الخبراء الاقتصاديّين عند 2700 ليرة للدولار الواحد.

وهذا يعني أنّه مع تثبيت سعر الصرف عند 1507 ليرات طوال تلك السنوات (أو أقلّه قبل تموز 2017 الذي يحدّده مصرف لبنان في تعميم 154 عتبةً لبداية الأزمة) كانت الدولة والمصرف المركزي يتكبّدان خسائر لدعم جميع السلع من خلال دفع الفرق، أي أن السلعة المسعّرة بدولار واحد أو ما قيمته 1500 ليرة (ربطة الخبز مثلاً) كان سعرها الحقيقيّ 2700 ليرة بدل 1500 ليرة، وكانت الدولة تقوم بتحمّل الفرق البالغ 1200 ليرة لبنانيّة، أيْ 80% من السعر الفعليّ، وهذا ينطبق أيضاً، في نظر دعاة هذه النظريّة، على الدولارات التي كان المواطنون يشترونها بالسعر نفسه.

وعليه تستلزم إعادة الودائع بالدولار سحبَ هذا الفارق لـHaircut، وقد يكون سعر 3900 ليرة، في نظر مصرف لبنان، رقماً أكثر من منطقيّ…

عماد الشدياق – اساس ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!