اخبار عربية ودوليةالرئيسية

دمشق.. مدينتي البائسة.. بقلم سماهر الخطيب

#دمشق.. مدينتي البائسة.

حين تدوس قدمك تلك الحدود السياسية المصطنعة عند نقطة المصنع تتنفس الصعداء بأنك بت على بعد بضعة كيلو مترات من الأراضي الشامية.. وما أن تصل نقطة الجديدة وتجد تلك اللوحة المزركشة تعلو نبضات قلبك سورية ترحب بزوارها.. سورية بلد الخير والسلام ووطن المحبة والألفة والأمان.. تدخل لتصديق أوراقك لدى شباك الجمارك وإذ بك تصدم الصالة تكاد تكون فارغة .. بضعة أشخاص هم القادمون.. قبل عام كانت تعج بالأصوات واليوم فارغة..
قبل أن يصادق الموظف على تذكرة دخولك أنت مطالب بالولوج إلى شباك المصرف التجاري لتصريف مئة دولار بسعر المصرف المركزي أنها عودة مشروطة فأنت خارج حدود القطر ولا بد أن تكون قد قطفت الدولارات من شجرة الغربة الإرادية أو القصرية لا فرق المهم ألا تطئ قدماك الأراضي السورية قبل أن تقوم بتصريف مئة دولار .. وأنت تقوم برحابة صدر بتصريفها بسعر المصرف المغاير كليا لسعر السوق السوداء ظنا منك أن كل شيء داخل الوطن هو وفق تسعيرة المصرف.. بعد أن تنهي عملك لدى شباك المصرف التجاري تعود إلى موظف الجمارك لتريه إيصال جمركة نفسك.. وأنت مبتسم الثغر مهيئ للحظات جميلة ستقضيها مع الأحبة في بلاد الخير والسلام والفرح..
ما أن تخرج من تلك النقطة الحدودية حتى تدخل في ظلام دامس ناتج عن قطع الكهرباء.. تظن أن حظك العاثر قد تلاقى مع وقت انقطاع الكهرباء.. تلج في شوارع دمشق العريقة ويستفزك الظلام الذي لا ينتهي.. تمضي ساعات وساعات ترى الكهرباء لساعة ونيف لتعود للإنقطاع.. يوما تلو الآخر تتأقلم مع الوضع على مبدأ كما يعيش ناسها وسكانها لا بد وإن تسير عليك قوانينها..
تكابر على نفسك بأن لجمال دمشق طابع خاص لا ينطفئ حتى وإن كان في الظلام تبقى بنورها طاغية.. تتجاوز العتمة ليقتل نفسك الفرحة ذاك البرد القارس وينال من عظامك ينخر فيها بردا وتحاول أن تجد غطاء ما يقيك بردا لاسع.. تسأل عن المازوت تجده شحيحا إن وجد .. وتسأل عن السبب يخبرونك بانتظار الدور فهم قد سجلوا على البطاقة الذكية بانتظار دورهم.. تسأل عن وجوده في السوق السوداء يخبرونك بوجوده بكثرة تسأل عن سعره تجده أضعاف مضاعفة عن وجوده في السوق.. تستغرب ويستغربون استغرابك..
تخرج من المنزل باتجاه الشارع بحثا عن سيارة أجرة تقلك نحو أحد الاماكن التي قد تجد فيها بعضا من الدفء والضوء.. تتفاجئ بشح سيارات الأجرة تقلك السيارة إلى وجهتك و تصدمك أرتال السيارات الواقفة تسأل عن السبب يخبرونك بانتظار الدور البنزين.. والاستغراب يعلو بمنسوبه.. تمر من أمام أحد الافران تجد الناس أرتالا واقفة كما التلاميذ في المدرسة لتأدية التحية الصباحية وترديد الإعاز كن مستعدا لبناء المجتمع العربي الموحد والدفاع عنه والجميع بصوت واحد يصدحون بحنجرة واحدة مستعد دائما.. تسمع تلك العبارة في مخيلتك لتيقظك صرخاتهم البائسة.. تسأل عن السبب يخبرونك متفاجئين بسؤالك أنهم بانتظار دورهم للحصول على الخبز..
تكمل مسيرتك مع كل ما استفزك من مشاهد فتقرر أن تترجل من السيارة لتكمل المسير على قدميك وعندما تهم لمحاسبة سائق التكسي تتفاجئ بأضعاف ما كنت تدفعه له قبل أشهر فقط وكأنك بت من اهل الكهف وتسأل نفسك كم لبست.. يوما او بعض يوم.. والمال الذي في جيبك لا يساوي شيء..
تعود بذاكرتك القريبة نحو ما ظننته أن كل شيء سيكون وفق تسعيرة المصرف لتبدأ لحظة المعرفة بأن السوق السوداء متحكمة بكل الاسعار وان التجار باتت تقود بلادك وشعبها العظيم تبتسم ابتسامة شاحبة وتنزل من السيارة لتلج في الشارع فتتفاجئ بتدافع الناس والوقت الذي تستغرقه أمتار في المسير يتحول إلى قرابة النصف ساعة تسأل عن سبب هذا التدافع يخبروك باستغراب سؤالك بأن الناس تقوم بتبديل الغاز فقد وصل الغاز وأخيرا بعد انتظار.. تسأل عن سعره تجده مقبولا لكنه شحيحا.. تسأل عن وجوده يخبرونك نعم موجود في السوق السوداء وبكثرة إنما سعره يعادل ثلثي راتب الموظف..
يؤلمك رأسك لكثرة ما رأيت تدخل أحد المقاهي المعهودة القديمة وبعد أن تحتسي كوب القهوة تطلب الفاتورة لدفعها تتفاجئ بتجاوز ثمن فنجان القهوة أضعاف ما كان عليه.. تتكلم عن ما رأيته اليوم مع أحد معارفك يخبرك بأنه أمر عادي بل وأرخص من السابق إذ لا يزال يعادل الدولار تفكر كيف يمكنهم إيجاد هذه التبريرات.. حسنا دولار ثمن فنجان القهوة.. وإذا ما اردنا قياس راتب الموظف على الدولار نجده يعادل ال خمسة عشر دولار كيف ذلك.. أي ثمن خمسة عشر فنجان قهوة بدون ماء.. عفوا انا قسته على تسعيرة السوق السوداء وليس المصرف المركزي الذي لم تكن تسعيرته سوى على معاش الموظف وصدمة العائد إلى حضن الوطن..
بائسة شاحبة باتت مدينتي.. وفي كل مساء يقبع سكانها خلف جدرانها ينتظرون لحظة فرح.. عفو عام .. رفع رواتب.. وصول المازوت.. البنزين .. الغاز.. الخبز.. خبر ما عن أحدهم يثلج صدورهم.. ليعودوا في الصباح نحو رحلة البؤس والشقاء مقسمين وقتهم ما بين تحصيل بعض الليرات والوقوف على الأرتال سابقة الذكر..
تذهب الى السوق تصدمك الأسعار يقارب سعر الحذاء معاش موظف.. نعم معاش الموظف هو ثمن حذاء فقط..
تتساءل اين انت من اي زمان قدمت.. تغضب على كل من يتحدث بالصمود والصبر وهو جالس في اترف المقاهي والمطاعم والفنادق.. وفي الليل يسرح ويمرح أصحاب المال.. خفافيش تتغنى بجمال المدينة.. تمر أمام الفقر متلحفاً بالبرد فاتحاً فمه للقمة تقيه الجوع.. فيسأل عن الكرامة ولا يدري أنها باتت في مدينتي عنوان الذل والإهانة..
دمشق.. مدينتي البائسة.. كفي عن اللف والدوران واصرخي في وجوههم لست على ما يرام أخبريهم أنكِ ترتوين على الدماء.. دماء الشهداء.. دماء الفقراء.. دماء البؤساء.. أخبريهم أن جراحك باتت تنزف من الأرض والسماء..

سماهر الخطيب  – دمشق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!