اقتصادالرئيسيةما وراء الخبر

مصرف لبنان يتفوّق على نفسه بتعميم جديد

يوحي تعميم مصرف لبنان الأخير (رقم 156) في الشكل، أنه يدافع عن مصالح حملة “الأسهم التفضيلية” من مخالفات المصارف. أما في المضمون فهو ليس أكثر من تفويض مطلق carte blanche للبنوك، للاستمرار في تجاوزاتها وتسجيل حقوق حملة الأسهم التفضيلية على ذمتها “الواسعة”.

اللافت في التعميم انه يعترف أولاً، بأن بعض المصارف خالف الأصول في تسويق الأسهم التفضيلية الصادرة عنها. بحيث “تم تسويقها لأشخاص طبيعيين (أفراد) على أساس أنها مضمونة الفوائد، من دون ان يتم الإفصاح لهم بوضوح عن المخاطر المرتبطة بهذه الأسهم”. وثانياً، إن القرار الصادر عن “المركزي” أتى نتيجة عدم تعيين اعضاء “لجنة العقوبات” لدى هيئة الأسواق المالية، وتداركاً منه “لمخاطر السمعة وللمخاطر القانونية التي قد تترتب على أي مصرف يخالف اجراءات تعامل المصارف مع العملاء”.

تعميم “ضبابي”

في حين تجبر المادة الاولى من التعميم المصارف على تسديد نسب الأرباح عن العام 2019 وما يليه، العائدة للأسهم التفضيلية، أي ان تدفع الفائدة التي توازي النسبة المتفق عليها مع العملاء، في شروط إصدار هذه الأسهم، تفتح المادة الثانية للمصارف مهرباً من الزامية المادة الأولى. حيث تنص على ان “المصارف التي لا تتقيد بأحكام المادة الأولى بإمكانها ان تكون مؤونة خاصة بعملة إصدار هذه الأسهم توازي قيمتها ثلاثة أضعاف مجموع الأرباح غير المدفوعة العائدة للأسهم التفضيلية المسوقة بشكل مخالف للأصول، وذلك إلى حين تسوية أوضاعها. وكأن “المركزي” يقول للمصارف: “تعا ولا تجي”، بحسب المستشار المالي د. غسّان شمّاس. بمعنى إن عجزت المصارف عن دفع الفوائد، فبإمكانها أخذ مؤونات “ورقية” عليها. فتُسجَل على دفتر المطلوبات من دون أن تكون هناك بالضرورة أموال حقيقية تشكّل هذه المؤونات. ومن دون فرض أخذ المؤونات على أساس قيمة رأس المال، اي مجموع الأسهم التفضيلية لدى المصرف. خصوصاً ان المصارف عاجزة عن دفع “مربحية الأسهم”. ومن ناحية ثانية لم يحدد التعميم إن كانت الفوائد على هذه الأسهم ستدفع مناصفة بين اللبناني على أساس 3900 ليرة، والدولار الحقيقي، كما هو معمول به مع المودعين. فترك باب الاستنساب مفتوحاً أمام المصارف. فـ “من يمنعها مثلاً أن تدفع فوائد الأسهم التفضيلية على شكل 1 في المئة بالدولار و99 في المئة بالليرة على سعر الصرف الذي تحدده؟”، يسأل شماس.

صعوبة تحديد مخالفة المصارف للأصول

أما النقطة الثانية التي لا تقل خطورة فهي التساؤل عن كيفية تحديد الأسهم المسوقة بشكل مخالف للأصول لأخذ المؤونات عليها؟ فالكثير من المصارف لم تأخذ توقيع الزبائن الذين استثمروا بالاسهم التفضيلية على استمارة مفصلة، كما تفترض العلاقة السليمة بين المتعاقدين. فالاسهم التفضيلية بحسب شماس “هي واحدة من الأدوات الاستثمارية التي تفرض على المصرف، انطلاقاً من وجود تعميم رسمي، ملء استمارة تتضمن شرح المصرف لمخاطر الاستثمار من جهة، ومن الجهة الثانية تصريح العميل بأمواله المنقولة وحجم السيولة التي يمتلكها. من بعدها يأخذ المصرف القرار بالنسبة التي يحق للعميل استثمارها والتي تتراوح بين ثلث المبلغ المملوك من العميل أو نصفه. ولا يجوز للمصرف استثمار كامل ثروة العميل في هذه الأدوات”.

شرح المخاطر بـ “الدردشة”

الحاجة الكبيرة إلى السيولة بالعملة الأجنبية دفعت المصارف في السنوات الأخيرة إلى “الإستقتال” في إصدار الأدوات المالية، وأعمت بصيرتها عن مراعاة إجراءات العمل المصرفي السليم. فلم يتعد الشرح عن مخاطر الاستثمار بالأسهم التفضيلية في بعض المصارف حد الدردشة بين البنك والعميل. في حين يؤكد أحد حملة الاسهم التفضيلية المصدوم من الامتناع عن دفع الفوائد، ان “مصرفه لم يحذره ولا مرة من مخاطر الاستثمار. بل ان الحديث كان يتركز دائماً على متانة القطاع المصرفي، وتطوره ونسبة الامان المرتفعة في التوظيفات المالية”. وكغيرها من المنتجات المصرفية فان الاسهم التفضيلية كانت تلاقي رواجاً كبيراً بين الافراد نظراً للثقة بالقطاع المصرفي وتحقيقها نسبة أعلى من بقية المنتجات. فالسهم التفضيلي يتميز بعائد ثابت يحصل عليه حامله قبل إجراء أي توزيعات على المساهمين العاديين أو أصحاب الأسهم العادية من دون ان يكون لحامله قوة تصويتية.أما في حال افلاس الشركة فان حاملي السند أو الدين بكافة أشكاله هم أول من يحصلون على حقهم من تسييل أصول الشركة ثم حاملو الأسهم الممتازة أو التفضيلية، وفي نهاية الأمر حاملو الأسهم العادية.

الغاية من التعميم كانت محاولة المركزي الإيحاء بانه يقوم بدوره الرقابي، فيما هو يعلم برأي شماس ان “المصارف ستستمر بامتناعها عن دفع حقوق حملة الأسهم التفضيلية لسببين: الأول، محاولة ضغط لضم هذه الأسهم إلى رساميل المصارف عبر Bailin. ذلك ان هذه العملية تعتبر أسهل بكثير من الاقتطاع من أموال المودعين. وثانياً، لان المصارف في صدد عقد جمعياتها العمومية الاستثنائية للبحث في زيادة رساميلها”. وبالتالي فانه من المتوقع ان تضيّع المصارف عملاءها باجراءات وتدابير إدارية وانتظار المراسيم التطبيقية من مصرف لبنان كما حدث بخصوص “الدولار الطالبي”، لتقطيع فترة توزيع أنصبة الارباح التي تبدأ في بداية العام وتمتد حتى شهر نيسان. وهنا يبرز السؤال الجوهري لماذا لم يصدر هذا التعميم بداية هذا العام مع تخلف المصارف عن توزيع الارباح العائدة للعام 2019؟ ولماذا انتظر مصرف لبنان الفترة التي تحضر فيها المصارف ميزانياتها لاصدار مثل هذه التعميم؟ يجيب شماس بان “التعميم يحتاج إلى التوضيح الفوري، وإلا يكون “لزوم ما لا يلزم” وليس أكثر من تقطيع للوقت”.

مصير الأسهم

التخوف من ضم الأسهم التفضيلية إلى رساميل المصارف سيخفض ثمنها ويحد من قدرة حامليها المحتاجين إلى السيولة على بيعها. فيما الحل لهذه المعضلة، التي أضيفت إلى احتجاز الودائع، يجب ان يكون عاماً على مستوى البلد. لانه مهما بلغت قوة العميل فان موقف المصارف المغطاة من مصرف لبنان والمستفيدة من عدم ضغط القضاء، ما زال الأقوى.

خالد أبو شقرا –  نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!