الرئيسيةما وراء الخبر

هل امتطت احزاب السلطة “العلمنة” للقضاء على 17 تشرين؟

فضفاضة كلمة علمانية في القاموس اللبناني.. منذ أن بدأت مع الاحزاب اليسارية التي دخلت المعترك اللبناني، وهي لا تزال يافعة ومراهقة لم تبلغ سن الرشد الذي يمكنها من فرض سيطرتها، بل تحولت الى طائفة أضيفت الى مثيلاتها في لبنان تعلو أصوات “العلمانيين” قبل أن “تخفت”، وعند كل استحقاق يطل هؤلاء بعناوين وأفكار جديدة لا تلبث أن تجرفها التركيبة الطائفية اللبنانية.

جديد تلك الحالة هو “النادي العلماني”. واحد من المجموعات التي فرزتها “ثورة 17 تشرين”، لمع نجمه في الاشهر القليلة الماضية في الانتخابات الطالبية في الجامعات الخاصة من أميركية الى يسوعية، وخرج النادي بعناوين تحاكي اسمه، الا أنها شكلت نوعا من الاستفزاز لدى جمهور الكثير من الاحزاب والقوى في السلطة، وهذا أمر طبيعي، طالما أن المنافسة السياسية تُشرع الانتقاد بين الاحزاب وتتخطى في كثير من الاحيان الحدود المعترف بها عند أي نقاش، وتخلق صداما بين تلك القوى.

ولأن العلمانية في لبنان هي جزء من هذا “التابو” المفروض، لديها القدرة على استقطاب الفئات العمرية الشابة الباحثة عن أرضية لتطبيق ثورتها، وساعدتها الانتكاسة الكبيرة للاحزاب السياسية اللبنانية في دفع هؤلاء الشباب الى ايجاد بدائل تحاكي تطلعاتهم وتعكس فيهم تجربة جديدة في العمل السياسي. ولكن ثمة الكثير من الاسباب التي تجعل من “العلمنة” على الطريقة اللبنانية جزءا من التركيبة الطائفية وتصب في مكان ما لمصلحة أحزاب الطوائف بل وتخدم بنيتهم الاجتماعية عندما يرتد أهل العلمنة ويعودون الى ايديولوجياتهم محصنين بفشل المنظومة العلمانية داخل التركيبة اللبنانية.

فالعلمنة بالمفهوم اللبناني يمكن ان تضم كل احزاب السلطة من التيار الوطني الحر الى القوات اللبنانية الى التقدمي الاشتراكي وحركة أمل وغيرها.. هذه العلمنة التي نادى بها الرئيس نبيه بري ودعا الى الغاء الطائفية السياسية كمدخل لها، هي تكريس للطائفية عبر الابقاء على التفكير الديني المعتمد لدى هذه الاحزاب، والتي تعود الى مطالبها الطائفية عند أول استحقاق دستوري أو خدماتي، فعلمنة هذه الاحزاب كانت كفيلة على سبيل المثال بتأخير تثبيت الكثير من الناجحين في مجلس الخدمة المدنية بحجة منع تعدي طائفة على أخرى في ملاك الدولة. وهذه الاحزاب “العلمانية” هي نفسها التي تنادي بانتمائها الديني الطائفي قبل الوطني وتخرج في كثير من الاحيان من رحم الاحزاب ب “زيّ” مدني تُدير مجموعات الحراك بعناصر مدربة على القيادة في التظاهرات والتجمعات لتسيير بعض “العلمانيين” الحقيقيين ودفعهم الى تطبيق اجنداتها وبعناوين وطنية براقة تضمر في داخلها أجندات سياسية لهذا الحزب أو ذاك وربما أكثر.

 

النادي العلماني الذي اعلن انتصاره الطالبي في الجامعتين الاميركية واليسوعية هو ابن هذه البيئة، عبر طرحه عناوين تنسجم مع عناوين أحزاب السلطة، كدعوته الى الغاء الطائفية السياسية التي دعا اليها الرئيس نبيه بري ويؤيدها جمهور الثنائي وهي في الاساس هيمنة طائفة على أخرى وفرض منطق الاكثرية على الاقلية في نظام طائفي الثقافة والتربية والحزبية: “كيف تطبق العلمنة على سبيل المثال مع طالب تخرج من مدارس الزهراء او المهدي، وآخر من مدارس القلبين الاقدسين وبغياب تام للمدرسة الوطنية الرسمية التي تعد الاضعف؟”.. ثمة فوارق كبيرة لا يمكن ان نمحوها ب “فشة خلق”، فكتاب التاريخ الموحد يخضع بدوره لحسابات أهل السلطة فالمنتمي الى حزب القوات اللبنانية لديه قراءته الخاصة بالتاريخ تختلف عن ابن التيار وهو يرى في حزب الله والاحزاب التي كانت تنضوي تحت مسمى “الحركة الوطنية” عملاء لأنظمة تهدف الى تهجير المسيحيين، المتهمين أيضا بالتعامل مع العدو “الاسرائيلي”.

في دفاعه عن حقوق اللاجئين من فلسطينيين وسوريين ودعوته الى اعطاء هؤلاء الاقامة الدائمة استفز النادي العلماني البعض وشهدت منصات التواصل حملة لا سيما من قبل بعض المؤيدين للثورة على هذه المواقف، ووجدوا فيها رائحة بعض قوى السلطة، حتى أن بعض المستقلين غير المنتمين الى احزاب أو هيئات، انتقدت هذا الكلام لأن برأيها لا يعبر عن وجع الناس المصرين على اولويات مطلبية واضحة تبدأ من الجوع والبطالة والانفلات الامني في البلاد، وتؤكد أن الصرح الجامعي يجب أن يكون المكان المناسب لطرح هذه الاولويات التي تتقدمها أيضا خارطة طريق واضحة لتغيير سياسي لا يؤدي الى سقوط الدولة ولا يساعد في الوقت نفسه على تعويم الطبقة السياسية.

الخشية اليوم أن يتحول النادي العلماني الى ظاهرة لفترة زمنية قصيرة قبل أن يشهد انقسامات في صفوفه من قبل الاحزاب، لاسيما وأن التركيبة اللبنانية يلزمها تغيير جوهري على مستوى الاجيال لا الاحزاب.

علاء الخوري – ليبانون فايلز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!