الرئيسيةمجتمع ومنوعات

تأثير الطفرات على فيروس كورونا المتبدّل

لا يمكن توقع مستقبل فيروس كورونا الجديد في هذه المرحلة إلا من خلال مراقبة سلوك فيروسات أخرى

منذ ستة أشهر، أصبح العالم أجمع رهينة فيروس كورونا الجديد. رسمياً، أصيب به ما يفوق الثمانية ملايين شخص وسبق وقتل الوباء أكثر من 500 ألف ضحية. يبذل علماء الفيروسات والأوبئة والصحة قصارى جهدهم للسيطرة على هذه الأزمة، لكنهم يزدادون قناعة بأن الفيروس الجديد غير متوقع بأي شكل.
تتوقف نتائج الأزمة على مساعي تطوير الأدوية أو اللقاحات، فضلاً عن فهم طريقة تغيّر الفيروس من الناحية البيولوجية خلال الأشهر والسنوات المقبلة. تكشف المؤشرات الأولية أن الفيروس قد يتابع التكيّف مع البشر، وهو خبر سار. مع مرور الوقت، يميل الفيروس إلى التأقلم مع الجسم المضيف لأن العلاقة السلمية نسبياً تصبّ في مصلحة مسببات الأمراض، ويصبح الفيروس الذي يقتل عدداً أقل من الناس أكثر قدرة على الانتشار. لكن قد تتطور الأحداث بطرقٍ مختلفة دوماً.

يقول كريستيان دروستين، عالِم فيروسات في مستشفى “شاريتيه” في برلين: “في المبدأ، يبقى تطور الفيروسات غير متوقع. أشعر بتفاؤل حذر لأنني أتوقع أن تنحسر مخاطر فيروس كورونا الجديد، لكن لا يمكن التأكيد على ذلك”.

الفيروس جاء ليبقى!

يجري فرانسوا بالو، خبير في علم الأحياء الدقيقة في كلية لندن الجامعية، الأبحاث عن خصائص فيروس كورونا الجديد ومعطياته الوراثية: “ستمرّ سنوات، أو عقد كامل في أسوأ الأحوال، قبل أن يصبح الفيروس حاداً بقدر الإنفلونزا الموسمية. الأمر المؤكد الوحيد هو أن الفيروس سيبقى بيننا ولن نتخلص منه نهائياً”.

ظهر الفيروس الجديد منذ وقتٍ قصير، لكنه يُعتبر منذ الآن من أكثر مسببات الأمراض التي خضعت للتحليل على الإطلاق. فكّ الباحثون شيفرة أكثر من 50 ألف تسلسل جينومي وحمّلوها في بنك عالمي للبيانات اسمه “المبادرة العالمية لمشاركة جميع بيانات الإنفلونزا”. بفضل هذا التسلسل الجيني، يحلل الخبراء العناصر المَرَضية التي تصبح ضعيفة أمام الأدوية أو اللقاحات، ويستكشفون أيضاً مدى تغيّر فيروس كورونا وطريقة انتشاره.

منذ العام 2015، يحاول عالِم الفيزياء ريتشارد نيهير من جامعة “بيوزنتروم” في بازل وعالِم الأحياء الأميركي تريفور بيدفورد فهم مسار الأوبئة. يتعقب هذان الخبيران فيروسات الإنفلونزا وزيكا وإيبولا منذ سنوات عبر تطبيق إلكتروني اسمه Nextstrain. ومنذ كانون الثاني 2020، يستكشف الباحثان أيضاً فيروس كورونا الجديد.

يُحوّل البرنامج المُسجّل على كمبيوتر نيهير البيانات العشوائية في الوقت الحقيقي إلى شجرة عائلة ملوّنة لمسببات الأمراض. تعود أولى جينومات فيروس كورونا الجديد إلى كانون الأول 2019 في مدينة “ووهان” الصينية. ثم تتفرع الشجرة في المرحلة اللاحقة إلى مئات الأغصان ويشير كل غصن منها إلى طفرة أو طفرات متعددة في جينوم الفيروس. يوضح نيهير: “كانت معظم تلك الفروع غير مهمة، لذا لم تؤثر على مستوى نقل العدوى أو عدائية الفيروس. لكن تقدم لنا الطفرات أدلة حول طريقة انتشار الوباء”.

في المتوسط، يسجّل نيهير وزملاؤه طفرتَين شهرياً على كل غصن من شجرة العائلة، ويدخل معظمها في خانة الطفرات الصامتة التي لا تؤثر على خصائص الفيروس. لكن يكون بعضها لافتاً ومختلفاً ويهتم الباحثون بهذه الطفرات تحديداً.

يُحرك نيهير فأرة الكمبيوتر فوق غصن قريب من جذر شجرة عائلة الفيروس، فيظهر صندوق معلومات على الشاشة كُتِب عليه D614G، وهو اختصار لطفرة أصبحت محط نقاش واسع بين الخبراء في الوقت الراهن.

تَصِف طفرة D614G تغيرات في “بروتينات سبايك”: إنها الزوائد التي تسمح للفيروس بالاتصال بالخلايا البشرية. يقول فريق بحثي بقيادة بيت كوربيت في مختبر “لوس ألاموس” الوطني إن الطفرة ظهرت في بداية شباط الماضي وانتشرت منذ ذلك الحين بوتيرة “مقلقة”. يشتبه العلماء بأن الطفرة هي التي تعطي الفيروس “رشاقته” التطورية وتجعله يتفوق نسبياً على نوع الفيروس الأصلي الذي ظهر في “ووهان”. أكد باحثون في معهد “سكريبس” للأبحاث في فلوريدا على هذا التقييم.

لكن هل يعني ذلك أن فيروس كورونا الجديد سيصبح مُعدياً أكثر مما هو عليه اليوم؟ لا شيء مؤكداً حتى الآن! لا يرتبط نجاح متغيرات الفيروس دوماً بتركيبتها الوراثية. بل تؤدي عوامل أخرى دوراً مهماً بالقدر نفسه: في حالة فيروس كورونا المستجد، كانت تدابير الإقفال التام والطرق الجوية الدولية أو الحظ بكل بساطة عوامل مؤثرة. لذا يحذر الباحثون من استنتاج رابط مبكر بين الطفرات الجينية الصغيرة والتغيرات في قدرة الفيروس على نقل العدوى أو مسار المرض عموماً.

ركّزت نقاشات كثيرة على بحثٍ مرتبط بأصل الفيروس أجراه فريق بقيادة الخبير في علم الوراثة مايكل فورستر من جامعة “كيل” في ألمانيا. رصد هذا العالِم ثلاثة أنواع مختلفة من فيروس كورونا الجديد. ربما تشتق الاختلافات بين هذه الأنواع من “سيناريو تأسيسي معقّد”. أو يتعلق تفسير آخر بنوعٍ يطغى على “ووهان” ويستطيع “التكيّف مناعياً أو بيئياً مع جزء كبير من سكان شرق آسيا”. انتقد باحثون آخرون المنهجيات المستعملة في الدراسة وتكلموا عن وجود “شوائب كبرى”. لكن يرفض فورستر هذا النقد، معتبراً أن النتائج التي نشرها تحصد إجماعاً علمياً.

سبب التشكيك بسيط: لم يحصل فيروس كورونا الجديد على الوقت الكافي للتغيّر لهذه الدرجة. صحيح أن فيروسات كورونا عموماً تكون دائمة التحول، لكنها مزوّدة بآليتها الإصلاحية الخاصة التي تسمح لها بالتخلص من الطفرات الضارة.

يقتصر عدد الطفرات التي تفصل بين جينوم أي أنواع شائعة اليوم من فيروس كورونا الجديد ومشتقة من فيروس “ووهان” الأصلي على 15 طفرة، وهذا ما يجعل جميع فيروسات كورونا المستجدة متشابهة. ما من أنواع مختلفة إذاً.

كذلك، يمنع عامل آخر الفيروس من تطوير خصائص جديدة: حتى الآن، يخضع الفيروس لمستوى ضئيل من الضغط الانتقائي. بعبارة أخرى، الوضع ممتاز للفيروس لأنه لا يتوقع مقاومة قوية نظراً إلى تراجع أعداد من طوّروا أجساماً مضادة له. يوضح مايكل لاسيغ، خبير في علم الأحياء التطوري في جامعة “كولونيا”: “في ظل ضعف المناعة الجماعية، يستطيع الفيروس أن يجد أهدافاً سهلة”.

يحاول فريقه البحثي أن يتوقع مسار تطور الفيروسات عبر استعمال النماذج الرياضية: “يبدو معدل الطفرات في فيروس كورونا المستجد أقل من فيروس الإنفلونزا بخمس أو ست مرات. هذه النتيجة تعطي بصيص أمل لأن هذا المستوى من التحول لن يكون كافياً على الأرجح لمواجهة الأجسام المضادة البشرية. في مرحلة معينة، سيُطوّر معظم الناس مناعة ضد الفيروس. وإذا عجز مُسبّب المرض عن التطور في تلك المرحلة، سيختفي مجدداً أو يمكن كبحه بسهولة على الأقل”.

صنّف بالو وفريقه في كلية لندن الجامعية الطفرات التي تم اكتشافها حتى الآن، فحددوا حوالى 200 طفرة في تجمّع الجينات الفيروسية التي ظهرت في مناسبات متكررة بشكلٍ مستقل عن بعضها، ما يشير إلى تفوّقها التطوري.لكن يظن بالو أن طريقة تأثير هذه الطفرات على سلوك الفيروس لا تزال مجهولة. ينجم عدد كبير من الشوائب الضئيلة برأيه عن هجوم جهاز المناعة البشري فيما يحاول منع الفيروس من التكاثر.

استناداً إلى معدل الطفرات، استنتج الخبراء أن الوباء بدأ على الأرجح بين 6 تشرين الأول و11 كانون الأول 2019. تدحض هذه النظرية التوقع القائل إن الوباء بدأ في الصيف الماضي لكن أبقته الحكومة الصينية سراً.

لكن يمكن الاستفادة دوماً من فهم طريقة تبدّل مسببات الأمراض لتطوير الأدوية التي تعالج المشكلة. يوضح بالو: “نحتاج إلى أدوية ولقاحات لا يستطيع الفيروس التحايل عليها بسهولة. لذا يجب أن نركّز جهودنا على الأجزاء التي تشمل أصغر عدد من الطفرات في جينوم الفيروس”.

في نهاية المطاف، لا يمكن توقع مستقبل فيروس كورونا الجديد في هذه المرحلة إلا من خلال مراقبة سلوك فيروسات أخرى. نشر فريق دروستين مثلاً تقريراً منذ سنتين حول فيروس “سارس” الأول الذي قتل 800 شخص تقريباً على مستوى العالم بين العامين 2002 و2003 وفق منظمة الصحة العالمية.

كانت الحصيلة لتصبح أسوأ بكثير. لكن اكتشف الباحثون أن “سارس”، أول نوع من فيروس كورونا، خسر جزءاً بسيطاً من جينومه خلال انتشار الوباء، ما ساهم في إضعافه. حين أعاد فريق دروستين دس المكوّنات المفقودة في الجينوم، تحسّنت قدرة الفيروس على التكاثر.

يوضح دروستين: “قد تضعف عدائية المرض أيضاً خلال مسار تكيّفه مع البشر”. ما يلفت النظر هو أن فيروس كورونا الجديد خسر الجزء نفسه من جينومه أحياناً، في مجموعات فرعية على الأقل. في سلاسل فيروسية عزلها باحثون في سنغافورة، تبيّن أن 382 وحدة أساسية من الجينوم كانت مفقودة.

هل كان انتشار فيروس “كوفيد – 19” خفيفاً نسبياً في سنغافورة لهذا السبب؟ لا يمكن تقديم جواب مؤكد على هذا السؤال بعد الآن لأن النسخة الأقل ضرراً من فيروس كورونا الجديد عادت واختفت منذ ذلك الحين.

جاد حداد – نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!