الرئيسيةمجتمع ومنوعات

كورونا… قضيةٌ أكبرُ من مرض

الإنسان مهما علا منصبُه وذاع صيتُه بين الناس يبقى إنسانًا يسقطُه أرضًا مرضٌ غامضٌ

مرةً أخرى يستفزُّني فيروس كورونا للكتابة وأشعرُ أنني في مضمارِ سباقٍ نتنافسُ كلانا للوصول إلى خط النهاية…
كم هو سريعٌ هذا المرض… يركضُ بلا هوادة… يلاحقُنا… يخيفُنا… بل يدمرُنا… نفوسُ كثيرٍ منا محطمةٌ ومشاعرُنا محبطةٌ فهل ثمةَ أملٌ أن نصلَ قبلَه في هذا السباق الطويل؟؟؟!
نسعى كلانا أنا وهو نحو خطِ الوصول… أيسبقُني أم أسبقُه، أيفوزُ هو أم أفوز، أيحطّمُني أم أنتصرُ عليه…
قليلةٌ هي الحوادثُ التي شعرتُ فيها برغبةٍ جامحةٍ جدًا للكتابة ورغبةٍ مصحوبةٍ بالتحدي لخوض غِمارِ سباقٍ غيرِ مضمونِ النتائج..

والكتابةُ هذه المرةَ هي ضد نفسي وضد أشياءَ أخرى… بمرارةٍ قد أدرك أسبابَها وأفهم دوافعَها ولكنني أرغبُ بشدة أن أفكَّ رموزَ الغموضِ الذي يكتنِفُ هذه الحالةَ التي لم تشهد البشريةُ مثيلًا لها من بعض الجوانب.

كم أنت ضعيفٌ أيها الإنسان يهزك زلزالٌ ويضربك إعصارٌ وتدميك رصاصةٌ وتتغلغل فيك لسعة… هذه المرة جاءك مرضٌ غامضٌ قد يُشبه شيئًا قبلَه وقد يكون شيئًا أُعِدّ في الخفاء… جاءك كورونا ليجعلك بل ليجعل معظمَ سكانِ المعمورة في ذهول واضطراب وقلق وهلع…

في الماضي كان كثيرٌ منا يتحلّقون حول شاشة التلفزة لمتابعة “أفلامٍ” تتحدثُ عن حروبٍ غامضة وفيروساتٍ قاتمة ووحوشٍ طائرة… واليومَ نتحلّقُ حول أنفسِنا كأننا في فيلم “هوليوودي” ليس فيه أبطال يقبضون أموالًا طائلة، بل هناك بشر يخسرون مدخراتِهم وتتوقفُ أعمالُهم ويقفون حائرين مضطربين خائفين من مستقبل مجهول.

قبل كورونا كنا نحضر أخبارَ السياسةِ والسياسيين ومقابلاتِهم التلفزيونيةَ وخطاباتِهم التي كثيرًا ما كان يشبهُ بعضُها بعضا… وكثير منها كان مجردَ كلامٍ بكلام…
السياسةُ هي فنُّ إدارةِ شؤون الناس، هي خدمتُهم والعملُ في تحقيق مصالحهم… وليست السياسةُ هي نفخَ الجيوب بإفقار الناس، ولا فنَّ استدرارِ التصفيقِ وعباراتِ الإعجاب، واستجلابِ صكوكِ الطاعة العمياء، واستجرارِ قصائدِ الشعر وكلماتِ النثر والزجل…
بعضُنا كان يظن السياسيين، أو بعضَهم، مثلَ “سوبرمان” فإذ بهم مثلُنا يخافون كما نخافُ بل وأكثر، ضعفاءُ مثلُنا وربما أكثر… يخافون أن يزولَ مُلكُهُم وتسقطَ كلُّ خططِهم في ممارسة الاستعلاء والاستغباء… هم مثلُنا يمرضون ويقتحمُ أجسادَهم فيروسٌ قاتل وإن كانوا في بروج عالية وحصون منيعة… سقطت البروج واندكت الحصون… لا أقصد هنا شنَّ حرب بلا معنى على السياسيين بل أقصدُ القولَ إن الإنسان مهما علا منصبُه وذاع صيتُه بين الناس يبقى إنسانًا يسقطُه أرضًا مرضٌ غامضٌ أو جديدٌ أو قديم… أمام المرضِ يسقطُ الثراءُ وتسقطُ الحسابات المصرفية… تسقطُ العروشُ والقصورُ والمناصبُ وتصبحُ الأموالُ أوراقًا في مهب الريحِ لا تحميك من شيء إلا بمشيئة الله رب العالمين.

قبل كورونا كنا نسمع بأمراضٍ تنتشرُ هنا وهناك ومجاعاتٍ تجتاحُ شعوبًا، وحروبٍ تقتلُ قبائلَ، وأعاصيرَ تدمرُ وتقتلعُ، وبراكينَ تثورُ على ما دونها من قرى ومدن… كنا نتابعُها ونقرأُ الإحصاءاتِ ونشاهدُ جثثَ الموتى والمصابين… هل كنا نحتاجُ لكل ذلك؟؟؟ أليست المستشفياتُ موجودةً في شوارعنا والمقابرُ على مرمى حجر منا؟؟؟ ولكننا كنا نرى ولا نشعر… ونسمع ولا نفكّر… كنا نظنُّ أو نتوهمُ أننا في مأمنٍ وأمان.. وها هي كورونا تلاحقنا حتى الفراش…
لا تلمس…
لا تقترب..
لا تقبّل…
لا تخرج…
ألف لاء ولاء…
وحتى العطس صرنا نخشاه ونكتمُه فلا يقال عنا إننا مصابون بكورونا !!!

لم أكن أعلمُ ولا أتوقعُ أن يأتي وقتٌ أصبح فيه حبيسَ البيت… حبيسَ القلق… حبيسَ الأرقام… بل وحبيسَ اللحظة…
الآن تذكرتُ كثيرًا من أرحامي ومعارفي.. كم كنا ننسى أو نتناساهم…
حتى أوراق النعي خلت من إعلانِ أماكنِ ومواعيدِ العزاء… والدفنُ أصبح مقتصرًا على عدد قليل لا يتجاوزُ أصابعَ اليدِ الواحدةِ أو اليدين… أصلًا قبل كورونا هل كنا نعزّي بعضَنا البعض؟ هل كنا نواسي بعضَنا البعض؟ هل كنا نحِسُّ بهمومِ ومشاكلِ بعضِنا البعض؟

وها هو رمضانُ مقبلٌ إلينا فهل سنقبلُ إليه.. آه آه ستكون موائدُ رمضانَ خاويةً… والمساجدُ للأسف الشديد مغلقةً… وكم نحنُ بأمسِّ الحاجةِ إلى بيوتِ الله وعبادةِ الله وطاعةِ الله وذكرِ الله وشكرِ الله في السراء والضراء…

رغمَ صغرِ كورونا انكشفت عوراتُنا وظهرت عيوبُنا…
القضيةُ ليست قضيةَ مرضٍ سيغادرُنا… القضيةُ أكبرُ من ذلك بكثير…
التاريخ سيكتب كم كنا مرضى حتى قبل أن يأتي كورونا…

بقلم عبد القادر فاكهاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!