اخبار محليةالرئيسية

هل يجوز إعتبار مواجهة التوطين إنحيازا لمحور ؟

مقال النائب الدكتور فريد البستاني في صحيفة البناء

يشكل الإصرار على رفض انخراط لبنان ضمن أي تجاذب إقليمي أو دولي واحدة من المسلمات الضرورية للدولة اللبنانية الواجب التمسك بها خصوصا في الظروف الصعبة والاستثنائية التي تعصف بلبنان، وتغنيه مشاكله عن حمل أعباء مشاكل المنطقة والعالم وجلبها إلى الداخل اللبناني، الذي يعاني من الانقسام ما يكفي ويغني عن المزيد.
ما نحتاجه هو التدقيق بطبيعة المسائل التي يمكن لدعوات الابتعاد عنها بداعي كونها مواضيع خلاف إقليمية ودولية، كترجمة لمفهوم الابتعاد عن لعبة المحاور وتجنبها، وخطورة أن يجري زج عناوين مصيرية ووجودية تهز مصير لبنان وتهدد وجوده، ويصير الابتعاد عن مسؤولية مواجهتها ابتعادا عن مفهوم الوطنية ومخاطرة بمستقبل الوطن، لأن المقصود بعدم التورط في لعبة المحاور، هو الابتعاد عن التموضع على ضفاف انقسام خارجي لا تعني لبنان بقضاياها، إلا من زاوية الوقوف مع أصحابها في هذا المحور أو ذاك، أما ربط الاهتمام بالقضايا الوطنية بشرط مستحيل هو حيازتها على الإجماع الدولي والإقليمي فهو ليس إلا دعوة مبطنة للتفريط بالحقوق الوطنية.
تقدم قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين ومثلها توطين الناحين السوريين في لبنان، مثالا حيا على هذه الحالة، فرفض التوطين موضوع إجماع وطني لبناني تاريخي، ونص دستوري راسخ وتأسيسي، وفي مثل هذه الحالة يفترض أن يكون موقف الدولة أنه لو أجمع العالم وتوافق العرب على التوطين فإن الحكومة اللبنانية ستجاهر بالرفض وستضع كل ثقلها لمنعه لأنه خطر مصيري ووجودي على لبنان.
من المفيد التذكير أن البعد السياسي والأمني لوجود اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين في لبنان ممكن التعامل معه طالما أن الأمر مؤقت، لكن التوطين سيعني تفجيرا سياسيا وأمنيا يهدد استقرار لبنان وبقاءه ككيان قائم على توازنات ديمغرافية هشة لا تحتمل العبث بها، ومن المعلوم أن الأعباء الاقتصادية المترتبة على هذين الوجودين لا تحلها المساعدات ولا المبالغ المعروضة ولا أضعافها،ك ثمن للتخلي عن موقف لبنان الثابت برفض التوطين، لأن قدرة النشاط الاقتصادي اللبناني في ظروف الوفرة لم تكن تكفي لإيجاد فرص عمل ونمو مقبول لاقتصاد يحمل أعباء اللبنانيين، وهذا ما تسبب بجعل الهجرة سمة ملازمة للمجتمع اللبناني يقصدها اللبنانييون طلبا للرزق لا رغبة بمغادرة بلدهم إلى بلاد أجمل مناخا أو أفضل على مستوى الخدمات، فاللبنانيون الذين هاجروا إلى القارتين الأميركية والأوروبية بدايات ومنتصف القرن الماضي، ومثلهم الذين ذهبوا إلى بلدان الخليج وساهموا بنهضتها قبل أن تتطور الخدمات فيها، تحملوا عذابات لا توصف، وسعيهم كان لطلب الرزق فقط، فكيف بإضافة عبء سكاني دائم عليهم، والذي سيحدث حكما إذا وقع التوطين هو تزايد هذه الهجرات ومن مكونات لبنانية أكثر من غيرها تسليما باعتبار لبنان لم يعد يشبه البلد الذي ولدوا فيه ويرغبون بأن يمضوا بقية حياتهم فيه.
من المفهوم، لا بل من المطلوب، أن يبتعد لبنان عن التموضع تحت عنوان أي قضية غير لبنانية تثير انقسام اللبنانيين وتشكل إنخراطا في محور إقليمي أو دولي تتسبب له بالمتاعب في علاقاته الخارجية وهو في ظرف يحتاج خلاله لكل دعم ومساندة، لكن من اللاوطنية أن يتهرب اللبنانيون من مسؤولياتهم الوطنية في قضايا تخصهم، ويجمعون حول الموقف منها، بجعل التوافق الدولي والإقليمي حول موقف لبنان شرطا للقيام بالواجب وتحمل المسؤولية، بينما المطلوب تجنيد علاقات كل اللبنانيين على إختلاافها وتباينها لصناعة هذا الإجماع الإقليمي والدولي، وصولا إلى ربط العلاقة اللبنانية بأي جهة في الخارج بدرجة وضوح موقفها الداعم للمصلحة اللبنانية والموقف اللبناني.
التوطين خط أحمر ولو قبل به العالم كله سيبقى اللبنانيون في خندق مواجهته حتى يسقط كمؤامرة تستهدف لبنان الكيان والوطن والدولة.

يلفت موقع Daily Lebanon الى أنه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره، لذا اقتضى التوضيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!