اخبار محليةالرئيسية

“إقتصاد” الحريري – باسيل و”إقصاء” جنبلاط – جعجع

المشهد في لبنان منذ التسوية الرئاسية تغيّر جذرياً.. لم تعد العناوين السياسية هي الطاغية

أن يقصد الموفد الملكي السعودي، نزار العلولا، خلال زيارته للبنان، منزل كليمنصو ليلتقي رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط، بعد ساعات على انقضاء العشاء الجامع الذي دعت إليه السفارة السعودية في بيروت مختلف القوى السياسية، يعني أن ثمة ما استدعى اللقاء أو الخلوة بين جنبلاط والموفد السعودي. خصوصاً أن العلولا، لم يلتق غير جنبلاط من السياسيين. إذ اقتصرت جولته على الرؤساء الثلاثة.

تؤشر الزيارة إلى منزل جنبلاط، والمدّة التي استغرقتها، بالإضافة إلى التغريدة التي أشار فيها جنبلاط إلى استبقائه ضيفه على مائدة الغداء، وإشارته فيها إلى أنها كانت مناسبة لاستعراض العلاقة التاريخية بين آل جنبلاط وآل سعود، إلى أنها كانت تفوق الاعتبارات البروتوكولية، وتتسم بأهمية سياسية.

لا ننسى، قبيل حضور العلولا إلى بيروت، كان وزير الصناعة في الحكومة الجديدة وائل أبو فاعور قد زار المملكة العربية السعودية، بعد موقف جنبلاط الاحتجاجي تجاه طريقة تشكيل الحكومة، كما تجاه أسلوب إدارة مفاوضات تأليفها، بالإضافة إلى إبداء بعض الملاحظات على أداء الرئيس سعد الحريري. ذهب أبو فاعور بنية طرح سؤال، عن رؤية المملكة العربية السعودية لما يجري في لبنان، وإذا ما كان هناك أمور مخفية أو غير ظاهرة. قوبل أبو فاعور بودّية، وبحرص، مع الإشارة إلى وجوب رصّ الصفوف مع الحلفاء، وانتظار التطورات في المنطقة، التي تشير إلى أنها ستكون “حافلة”، خلال الأشهر المقبلة.

في ذلك الوقت، كانت قد نشطت حركة اتصالات لأجل تخفيف حدّة التوتر بين جنبلاط والحريري، والتزم الطرفان التهدئة، مع التأكيد على استمرار العلاقة التاريخية، على الرغم من الخلافات بينهما. اعتبرت مصادر “بيت الوسط” أن جنبلاط بمواقفه يستهدف سعد الحريري على نحو شخصي. ليس هذا الموقف الأول من نوعه، الذي يصدر عن الحريري. فمثلاً، يوم زار الحريري كليمنصو لطلب مساعدة جنبلاط في التنازل عن وزارة الصناعة، وردّ جنبلاط طالباً الإستمهال، إلى حين أن يستكمل الحريري جولاته والعودة إليه فيما بعد، خرج الحريري ليصرّح بأن هدف زيارته ليس المسألة الحكومية فقط، وأكد أنه حضر بغية رص الصفوف، وإعادة تجميع القوى، وتعزيز التحالف. أوحى الحريري بكلامه، وكأنه يريد استعادة التحالف الاستراتيجي مع جنبلاط. لكن ذلك كان مجافياً للحقيقة، بالنسبة إلى الذين يعتبرون أنفسهم “مختمرين” في معرفة الحريري، وأوقنوا أنه لم يكن يريد سوى تمرير اقتراح أو حلّ لعقدة، آنذاك.

هؤلاء العارفون، يستعيدون نمطاً من هذا السلوك عند الحريري، منذ التسوية الرئاسية. فمثلاً حين كان في وضع حرج مع القوات اللبنانية، زار معراب، كتلك الزيارة الشهيرة ما قبل الإنتخابات النيابية، والتي أكد فيها إعادة رص الصفوف وتوحيد الرؤى. ما أوحى وكأنه يعمل لاستعادة لمّ شمل 14 آذار. لم تكد ساعات قليلة تمضي، حتى تبّين أن الكلام غير الفعل.

من هنا، كانت تخشى شخصيات قريبة من جنبلاط، أن يكون الحريري في طور استخدام الأسلوب ذاته مع المختارة. لكن جنبلاط دوماً ما كان يؤكد بأنه “لا يمكن الخروج من سعد، كما أن سعد لا يمكن أن يخرج منّا”.

في الزيارة السابقة للعلولا، انعقدت الخلوة بين الحريري وجنبلاط وجعجع، برعاية الموفد السعودي. حينها، تسرّبت أجواء وانطباعات أن وحدة 14 آذار قد استعيدت. استمرّ هذا الجو لأقل من أيام قليلة. وتبيّن فيما بعد أن لا أفق لذلك. ولكل حساباته ومصالحه. في الزيارة الأخيرة، كان العلولا ينوي تكرار عقد الخلوة بين هذا الثلاثي، لكن الحريري لم يبد حماسة لذلك. صحيح أن اللقاء والمصافحة بينه وبين جنبلاط كان ودّياً، ظاهراً، وقد تبادلا أطراف الحديث، وبشكل حميم، وتخلّله بعض الإبتسامات والضحكات. لكن الحديث الجانبي وقوفاً، لم يطل. وبينما كان يُنتظر أن تعقدة الخلوة بعد العشاء، غادر الحريري سريعاً. فلم ينجح المسعى.

على هذا الإثر، زار العلولا كليمنصو في اليوم التالي، والتقى جنبلاط. الذي كان بالغ الود وحريصاً على العلاقة مع الحريري، مؤكداً أنه لا يريد أن تتدهور العلاقة معه، لكّنه أيضاً تحدّث بكل واقعية وشفافية، وبصراحة تامّة، طرح العديد من الأسئلة حول ما يحدث، وحول حقيقة موقف المملكة من الوضع اللبناني. تحدّث جنبلاط عن الهواجس، بسبب اختلال موازين القوى، وبسبب أداء الحريري، الذي يغلّب كفّة التيار الوطني الحرّ، بينما حزب الله هو المستفيد الوحيد مما يحصل، خصوصاً أن الحريري يجد نفسه مضطراً للتنازل، لصالح الحزب والتيار، ولو على حساب حلفائه التاريخيين.

في المقابل، كان الموفد السعودي يؤكد حرص المملكة على الوضع في لبنان، وعلى حضورها ودعمها للإستقرار والأمن فيه، كما أبدى الحرص على وجوب تعزيز العلاقات بين الحلفاء، وعدم الإستمرار في الخلاف. وحتى إذا ما وجدت الخلافات، فلا بد من حلّها عبر قنوات التواصل المعتمدة، وليس عبر وسائل الإعلام، وعلى العلن.

بلا شك، المشهد في لبنان منذ التسوية الرئاسية وإلى اليوم، تغيّر جذرياً. لم تعد العناوين السياسية هي الطاغية، ولا حتى الإنقسام السياسي. والحريري كان واضحاً في هذا المجال في مهرجان 14 شباط، اذ اعتبر أن زمن الخلاف السياسي والشعبوية قد انتهى، وحان وقت العمل. المقصود بـ”وقت العمل” هو الاتجاه إلى المنحى الاقتصادي والمالي، والذي يتجلّى بملفات عديدة، تبدأ بالكهرباء ولا تنتهي بالاتصالات والنفط ومعالجة النفايات، وحتى البنى التحتية.

الاهتمام بهذه الجوانب، وإزاحة السياسة جانباً، تحتّم على الحريري – وفق رؤيته – الإبتعاد عن الحلفاء القدامى، الذي كانوا كذلك في مرحلة الانقسام السياسي الكبير، والاقتراب أكثر نحو تعزيز العلاقة مع خصوم الأمس، وفق ما تقتضيه المصلحة “الوطنية”، حسب تبريره. هذه الصورة، تعود بالأذهان إلى حقبة الوصاية السورية، والتي كانت السياسة الخارجية والعسكرية فيها لحزب الله والنظام السوري، بينما في الداخل كانت لصالح تحالف اقتصادي وسياسي – إداري، يقوده رفيق الحريري، تحت السقف الذي يرسمه النظام السوري. اليوم تحوّل حزب الله إلى الوصي على هذه التسويات، مقابل استفادة الحريري وباسيل من هذه الوضعية.

 

هذا التحالف السياسي الاقتصادي بين باسيل والحريري، يحتّم ابتعاد الحريري عن الشق السياسي، وانهماكه أكثر بالشق الاقتصادي. وإذا بقي الأمر على هذا المنوال، وبظل “الستاتيكو” (الحال) القائم إقليمياً ودولياً، لا يمكن لهذا التحالف أن يهتز. ولذلك سيجد الحزب الاشتراكي، والقوات اللبنانية، وتيار المردة أنفسهم مستبعدين، من هذه التحالفات والاتفاقات. وهذا ما دلّت عليه عملية التفاوض لتشكيل الحكومة، ولحظة إنجاز الاتفاق، والذي تزامن مع اتفاقات أخرى غير سياسية، على غرار معمل دير عمار وخزانات النفط في طرابلس، وخصوصاً مع انتشار المعلومات التي تشير إلى أن ثمة علاقة شراكة بين الحريري وباسيل، في الشركات التي لها علاقة بتشغيل هذين المرفقين. يفرض هذا النوع من التحالف تهميش القوى الأخرى. وهذا يعزز رغبة باسيل في عزل جنبلاط وفرنجية مثلاً، وإقامة علاقة ندّية مع الرئيس نبيه برّي، على قاعدة خذ وأعطِ. أي لا يمكن لبرّي الحصول على ما يريده من دون حصول باسيل على ما يريده.

هذا الواقع هو الذي سيتحكم بمفاصل المرحلة المقبلة، طالما أن الوضع القائم بقي على حاله، ولم تؤثر فيه معطيات خارجية مفاجئة لتغيّره. وبهذا السياق، لا تدخل الحسابات الاستراتيجية لدى مكوّني هذا “الكارتيل” في نظرتهما السياسية. وهذا يتمظهر بمواقف باسيل التي لم تتغير. فهو يريد العلاقة مع إيران والعلاقة مع الخليج في آن واحد. يدعم “المقاومة” ويريد السلام مع إسرائيل. الأمر نفسه عند الحريري. يريد علاقة ممتازة مع السعودية واستمرار التحالف معها، مقابل علاقة جيدة مع إيران، وتواصل وانسجام مع حزب الله.

هذا يذكرنا بتاريخ “الشطارة” اللبنانية المليء بالفضائح والكوارث معاً.

منير الربيع – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!