اخبار محليةالرئيسيةما وراء الخبر

خاص- معرض “الأوتيل الكبير”.. صوفر تستعيد ذاكرة زمنها الجميل

يوسف الصايغ

على ذلك الدرج المُرمم جزئياً وقفت السيدة سميرة لتروي لحظات زفافها قبل عشرات السنوات، وفي تلك الزاوية عادت إحدى زائرات الأوتيل في أيام العز لتنتقل بها الذاكرة الى ربيع العمر الذي مضى، وهناك يتجول رجلان غزا الشيب رأسيهما ، يستعرضان الصور ويتفقدا ما تبقى من آثاث، ظل الشاهد الوحيد على تاريخ أوتيل صوفر الكبير الحافل بالمحطات والذكريات التي لا تنتهي.

معرض “الأوتيل الكبير” ليس مجرد مكان حيث تعرض اللوحات والرسومات وبعض الآدوات التي كانت تستخدم في الأوتيل فتحولت الى قطع أثرية ، من بقايا البيانو الى طاولة القمار، وصولا الى بطاقات البريد وجدول مواعيد القطار والى ما هنالك من وثائق تختصر الزمان والمكان، شكّل المعرض بوابة عبور نحو تاريخ صوفر  الجميل وماضيها الغابر، سرعان ما تستعيده بمجرد أن تطأ أقدامكم مدخل الأوتيل الكبير الذي شيدته عائلة سرسق في العام 1892 فأصبح آنذاك أشهر فنادق الشرق، فتشعرون بتلك الرهبة المصحوبة بعظمة المكان، وتبدأ لحظات مرّت قبل عقود من الزمن تتراءى أمام ناظريكم، فتغوصون في ذاكرة التاريخ، الذي إختصره الفنان البريطاني المبدع توم يونغ بعشرات اللوحات التي تجسد تلك الحقبة الزاخرة من تاريخ أوتيل صوفر الكبير الذي جمع أهل السياسة والفن وأهم الأثرياء من حول العالم، فشكل مقصداً للمجتمع المخملي آنذاك.

يكفي أن تخرج الى باحة الأوتيل، فترى تلك الأرزة التي لا تزال صامدة رغم سنوات الحرب والدمار كصمود صوفر وأهلها

جولة في أرجاء غرف الأوتيل التي لا تزال زاخرة  برائحة ذاك الزمن المنبعث من البعيد عبر تلك اللوحات الزيتية كفيلة بأن تنقلك الى تلك اللحظات، لتحياها كما وأنك في عشرينيات وستينيات القرن الماضي، هنا ترى الجنرال سبيرز يعقد إجتماعاَ عسكرياً مع عدد من جنرالات زمن الإستعمار.

قبل أن تنقلك ريشة  توم الى أول إجتماع عقده وزراء الخارجية العرب في أوتيل صوفر الكبير وما تلاه من إتفاقيات ومؤتمرات ومؤامرات كانت غرف الفندق شاهدة عليها.

ومن بين هذه المشاهد يجذبك صوت كوكب الشرق المنبعث من آلة موسيقية، قبل أن تعلو أصوات روّاد أول كازينو وملهى في الشرق الأوسط، فترى سامية جمال تتمايل على وقع ألحان عبد الوهاب وترانيم عبد الحليم حافظ، قبل أن يطل عليك عمر الشريف بنظرته الثاقبة.

فتبهرك أسمهان بقامتها الممشوقة، قبل أن يطربكم صوت فريد الأطرش الرخيم، لترد عليه الصبوحة بصوتها الرنيم، فتعيش تلك اللحظات بكامل تفاصيلها، وتأخذك الذكريات فتجد نفسك في الغرفة المخصصة للعب الميسر حيث لا تزال الطاولة الخضراء شاهدة على أبرز الأثرياء الذين كانوا من روّاد الأوتيل الكبير.

 

 

وما أن تخرج من سحر تلك اللوحات حتى تعود الى الواقع، فترى الجدران التي أتعبتها سنوات الهجران والحرب والدمار، فتدرك أن ما شاهدته كان مجرد شريط ذكريات تجسد من خلال الرسومات، هي لحظة حلم في واقع أليم يختصر معاناة لبنان بأسره، لكن يكفي أن تخرج الى باحة الأوتيل، فترى تلك الأرزة التي لا تزال صامدة رغم سنوات الحرب والدمار كصمود صوفر وأهلها، كي تعرف عظمة هذا المعلم الأثري، الذي لم تستطع السنوات العجاف أن تمحو ذاكرته وماضيه.

يؤكد يونغ على أهمية أن تتعرف عامة الناس على تاريخ صوفر من خلال هذا المعرض وبشكل خاص الأجيال الناشئة

لا يمكن الحديث عن أوتيل صوفر الكبير وتاريخه دون إستحضار محطة القطار في الجهة المقابلة للأوتيل والمعروفة بـ”السكة” (نسبة الى السكة التي كان يسير عليها القطار)، والذي كان يربط العاصمة بيروت بالبقاع ومنها الى الشام وبالعكس، وحال السكة ومحطة القطار التي جسدها يونغ في رسوماته من حال الأوتيل الكبير لجهة الدمار والخراب، حيث لا تزال أجزاء من المحطة موجودة، كدليل آخر على أن التاريخ مر من هنا لكنه توقف بفعل آلة الحرب.

أما الفنان البريطاني توم يونغ والمقيم في بيروت منذ حوالي تسع سنوات فيروي في حديث لدايلي ليبانون إنطباعه عندما زار الأوتيل لأول مرة عام 2012، وعن إبداعه الظاهر في رسم اللوحات وتجسيد الشخصيات بهذا الشكل الرائع والمميز، يشير يونغ الى أنه عاد الى المراجع التي وثقت العصر الذهبي لأوتيل صوفر الكبير، لا سيما كتاب أمين الريحاني قلب لبنان ، ومذكرات الجنرال سبيرز، إضافة الى لقائه عدد من الأشخاص الذين عايشوا تلك الفترة فيشرح كيف ولدت فكرة إعادة إحياء تاريخ أوتيل صوفر، وهو الذي تستهويه الأماكن الأثرية التي تختزن ذاكرة الزمن فيعمل على إعادة احيائها بشكل مميز ، على غرار ما قام به عبر سلسلة المعارض التي أقامها في بيروت، لا سيما في بيت الزهر بمنطقة رأس بيروت، وبيت البستاني في مار مخايل، فعمد الى نقل هذه التجربة الى أوتيل صوفر الكبير.

ويلفت يونغ الى علاق الصداقة التي تجمعه بالسيد رودريك سرسق أحد ورثة الأوتيل الكبير والذي أحب الفكرة وشجعه للعمل من أجل إحياء أمجاد أوتيل صوفر الكبير، من خلال هذا المعرض الذي يتضمن إعطاء دروس في الرسم للطلاب من مدارس صوفر والجوار، والأهم من ذلك تعزيز معرفتهم بجذورهم، حيث يؤكد يونغ على أهمية أن تتعرف عامة الناس على تاريخ صوفر من خلال هذا المعرض، وبشكل خاص الأجيال الناشئة كي تتعرف على هذه الحقبة التاريخية،  كما تم تنظيم سلسل من الأنشط الفني والثقافي من سهرات موسيقي وعزف على البيانو وعروض تمثيليه.

معرض أوتيل صوفر الكبير ليس مجرد نشاط فني – ثقافي، بل خطوة نحو الزمن الجميل لصوفر التي عاشت أيام العز مع هذا الصرح الأثري، الذي بقي صامداً وكأنه يريد أن يصرخ قائلاً بأن سنوات الحرب البشعة والتي دفع الأوتيل ثمنها من حجارته وأثاثه وذكرياته الجميلة لم ولن تتمكن من طي هذه الصفحة المشرقة التي ستبقى الشاهدة والشهيدة، على أمل أن نحفظ ما تبقى لنا من ذاكره تحفظ زمن صوفر الجميل.

 

*مجموعة من الصور للوحات والأنشطة التي تضمنها معرض أوتيل صوفر الكبير.

الصور التقطت من قبل: كريم صقر، إلسي حداد، توم يونغ، ويوسف الصايغ.

 

  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!