الرئيسيةما وراء الخبر

تحضير لبنان لسايكس – بيكو جديد!

اياً كان الفائز بالسباق الرئاسي الاميركي، فإنّ الانسحاب العسكري الاميركي من الشرق الاوسط سيأخذ طريقه الى التنفيذ. فالديموقراطيون والجمهوريون على السواء يريدون ذلك. فعدا انّ الاميركيين سئموا حروب الشرق الاوسط التي لا نهاية لها، فإنّ هذه الساحة ذاهبة الى تبدّلات كبيرة وعميقة، واصطفافها في اطار صراعات جديدة ومن نوع آخر، ما يوجب الاحتراس الاميركي منها، في موازاة الامساك بمفاصلها من بعيد، واحكام القبضة على خيراتها.

فالاقتصاد الاميركي يعاني كثيراً بسبب كورونا، في وقت يتحدث فيه صندوق النقد الدولي عن هبوط في الاقتصاد العالمي، وازدياد الانكماش العالمي وتكثيف القيود التجارية. وهو يعتبر انّ العالم دخل اسوأ ركود اقتصادي منذ 90 عاماً.

وسيكون هذا الركود الاقتصادي حاضراً في خلفية اعادة ترتيب المنطقة، الى جانب المصالح السياسية، وتحت سقف الاندفاعة الاميركية، لاحتواء التقدّم الصيني البطيء على المسرح الدولي.

 

وما يجري الآن في المنطقة يدخل في اطار إنضاج خارطة النفوذ مستقبلاً. فبعدما رزح الشرق الاوسط، بدءاً من انتهاء الحرب العالمية الثانية، تحت وطأة متطلبات الصراع مع اسرائيل، فهو يدخل اليوم الى اصطفافات جديدة، وتحت عنوان التصارع بين اقطاب ثلاثة: اسرائيل، ايران وتركيا.

وبعدها، ستعمل واشنطن على اخراج الصين من كامل المساحة الاقتصادية الشرق اوسطية. فهي ستتولّى ادارة توازنات هذا التصارع لعقود عدة الى الامام وعلى اساس تأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية.

وهي لذلك باشرت صياغة تفاهمات مشتركة مع روسيا، التي ستجعل من سوريا قاعدة ارتكازها. وتعمل على تحضير الساحة لتأمين موجبات التفاهم مع ايران، اياً يكن الفائز في الانتخابات الرئاسية الاميركية. وهي ستلتزم عدم تهديد النظام القائم في ايران، لا بل التناغم معه احياناً، في مقابل التفاهم حيال مصالح كلا البلدين في المنطقة.

وقد تذهب واشنطن لاحقاً، وتحت وطأة ازمتها الاقتصادية، الى السعي لتخفيض سعر النفط عالمياً، في مقابل إمساكها بالثروة الغازية البحرية.

وعلى سبيل المثال، لفت سعي مجموعة تركية اقتصادية للتقدّم الى مناقصة استثمار ميناء حيفا، بعدما نجحت واشنطن في دفع الحكومة الاسرائيلية لإخراج الصين، التي كانت راغبة بذلك. كما تنوي شركة «موانئ دبي العالمية» التقدّم الى هذه المناقصة وفق وكالة «بلومبرغ» الاميركية.

ولبنان المعني مباشرة بكل هذه المشاريع، سيحظى بسياسة اميركية متشابهة تقريباً، اياً كان الفائز بالسباق الرئاسي الاميركي، مع فارق وحيد وهو الوقت والمدة الزمنية.

لذلك، اصرّت واشنطن ورغم انشغالاتها الداخلية، على بدء مفاوضات الترسيم للحدود البحرية اللبنانية، والتي ستليها كامل الحدود البرية جنوباً وشمالاً وشرقاً. لكنها بحاجة لحكومة للإشراف على ما هو حاصل.

ولذلك ايضاً، تبدي فرنسا، رغم ازمتها الداخلية، اهتماماً بموضوع اعادة اعمار مرفأ بيروت، وهي التي تضغط ايضا لولادة حكومة تحمل مهمة ترتيب الوضع.

ولذلك ايضاً، تريد روسيا استقراراً سياسياً في لبنان، خصوصاً بعدما وصل سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، والذي تبدي موسكو اهتماماً استثنائياً به.

وقيل انّ الإيجابية المفاجئة التي حلّت على المسؤولين اللبنانيين والمرونة الواضحة لمواقفهم، انما ترافقت مع تفاهم خارجي حصل بين باريس وموسكو وواشنطن، ويرتكز على ضرورة حصول لبنان على فترة سماح، تسمح بترتيب ساحته الداخلية، من اجل تنظيم الخطوات المطلوبة من قبل الحكومة، وتحضيره جيداً لمرحلة المفاوضات، التي تشبه الى حد بعيد مرحلة سايكس – بيكو مطلع القرن الماضي.

مع التأكيد مجدداً، بأنّ الواقع الجديد هو بتقاسم النفوذ، ولرسم خارطة جيوسياسية جديدة، من دون المسّ ابداً بالحدود الجغرافية القائمة، والتي رسمها اتفاق سايكس – بيكو، رغم انّ التاريخ ودروسه يفرضان علينا الّا نبالغ في التفاؤل. ففي نهاية الأمر، نحن في لبنان، حيث المفاجآت واردة عند كل لحظة، والمصالح الخاصة للطبقة السياسية اللبنانية تبقى دائماً فوق كل اعتبار.

جوني منير – الجمهورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
error: Content is protected !!