مجتمع ومنوعات

حلوين العشرينيين

تلمع عيونهم. تلمع حبيبات العرق على جبينهم. يحملون المكانس ويمشون. يعبرون فوق الدمار. تلمع ضحكاتهم. يبدو الردام مختلفاً فجأة. تبدو بقايا الزجاج مختلفة حين ترتسم انعكاسات أجسادهم فوقها. تلمع الرفوش فوق الأرصفة. تلمع ضحكاتهم مجدداً في هذا الحرَّ الصيفيّ الرهيب. ترى يديّ العجوز تُربت على أكتافهم، ممنونة هذا الجهد الجديّ الرهيب في تعزيل منزلها. “بيتي بيتكم”، تقول. “أكيد بيتك بيتنا”، يجيبون.
من أين خرج هؤلاء؟ كأن صخوراً انشقت وتدفقوا منها. أمواج خلف أمواج تضرب الإحباط الذي يحاصرنا بابتسامات متفائلة. أقف متفرجاً عليهم يحملون المدينة فوق أكتافهم ويعبرون بها من التعب والقرف واليأس إلى النشاط والإصرار والتفاؤل. تلمع مكانسهم. يختفي الدمار من المشهد. يصبح المشهد مشهدهم. أول من أمس كان للانفجار؛ اليوم لهم هم وحدهم. يعبرون من لبناننا إلى لبناننهم.
عام 2005 كان عمرهم 5 سنوات.
لا تقفز إلى السطر التالي بسرعة. عد إلى السطر السابق وتوقف عنده أكثر. تخيل بهدوء أن عمرهم كان خمس سنوات حين أخرجت سوريا من لبنان، واغتيل رفيق الحريري، وعاد ميشال عون من المنفى، وأُخرج سمير جعجع من السجن، واستبدل نصف الطبقة النيابية بطبقة نيابية أخرى، وأنهى الرئيس نبيه بري أول 15 عام في رئاسة المجلس النيابي ليبدأ 15 عام ثانية ثم ثالثة، وحصلت حرب تموز وغيره وغيره وغيره.
منذ خمس سنوات، عام 2015 كان عمرهم 15 عاماً، حين كانوا يسمعون الخطابات المملة تتراكم فوق الخطابات المملة فيما يجدون أنفسهم في بلد بلا كهرباء، بلا مياه، بلا معامل أو حلول مستدامة للنفايات، بلا فرص عمل، بلا تعليم رسمي، بلا توجيه تعليمي، بلا استشفاء رسمي، بلا فرص عمل، بلا عدل، بلا مساواة في المواطنية والحقوق، بلا مشروع بيئي، بلا خارطة تكنولوجية، بلا شاطئ، بلا مساحات عامة، بلا عدالة اجتماعية، بلا ضمان استشفائي، بلا استقرار أمني، بلا مسؤول واحد سواء كان نائباً أو وزيراً أو رئيساً أو مديراً عاماً أو محافظاً أو رئيس بلدية أو ناشطاً حزبياً يفهم عليهم ويفهمون عليه.
اليوم، بعد مرور خمس سنوات على 2015، يجدون أنفسهم أمام نفس الخطابات المملة ونفس الواقع تماما، مع ظروف اقتصادية أصعب، مع مصارف ترفض إعادة أموال أهلهم لأهلهم، مع طرد جماعيّ من الوظائف، مع عدم قدرة على إكمال تعليمهم، مع استحالة إيجاد أية فرص عمل.
لكن، ها هم هنا يحملون ابتسامتهم فوق هذا كله ويعبرون من مستنقع الوطن إلى الوطن؛ لا يعرفون مسؤولاً واحداً سواء كان نائباً أو وزيراً أو رئيساً أو مديراً عاماً أو محافظاً أو رئيس بلدية أو ناشطاً حزبياً يفهم عليهم ويفهمون عليه.
“حلوين العشرينيين” قال لي أحد الأصدقاء. قلت لنفسي “حلوين جداً”. مشروعهم؟ إسألوا النائب والوزير والرئيس والمدير العام والمحافظ ورئيس البلدية والناشط الحزبي الذي تفهمون عليه ويفهم عليكم عن مشروعه، قبل سؤالهم عن مشروعهم.
مهلاً! ما هو مشروعكم أنتم؟ مشروعهم كنس الشوارع وتنظيف المنازل والأرصفة من نتائج الإهمال وانعدام المحاسبة لدى المسؤولين المتعاقبين. وأقل أقل ما يمكن هؤلاء العشرينيين الحلوين فعله هو عدم التصفيق لمن يرونهم في جميع مواقع المسؤولية منذ ولادتهم ثم يرون بلدهم من دون كهرباء ومياه وحلول مستدامة للنفايات وفرص عمل وعدل ومساواة في المواطنية والحقوق.

غسان سعود – ليبانون فايلز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
error: Content is protected !!