اقتصاد

لبنان تحت وصاية صندوق النقد الدولي؟

في 17 تشرين الأول 2019، خرجت تظاهرات في مدن لبنانية عدة نتيجة أزمة اقتصادية ومالية حادة تعيشها البلاد، وذلك بعد فشل السياسات المالية والاقتصادية المتبعة منذ عشرات السنين، واعتماد الدولة اللبنانية سياسة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار منذ العام 1997، على أساس ان الدولار الواحد يساوي حوالى 1500 ليرة. الأمر الذي شكل عبئاً على الدولة غير المنتجة اقتصادياً، عوضتها من خلال سياسة المركزي، التي قامت على الإستدانة من المصارف المحلية، وإنفاق العملة الصعبة المتوفرة لديه من اجل المحافظة على سعر الصرف. هذه الأسباب رفعت الدين العام إلى 86 مليار دولار، أو ما يعادل 150 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وذلك من دون احتساب الإستحقاقات المالية للمؤسسات العامة والتي من بينها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

الازمة الحالية تجلت في التراجع الكبير في الاحتياطي النقدي القابل للإستخدام الذي ظهر في العامين الأخيرين، إذ بلغ 19 مليار دولار في العام الحالي، مقابل 25.5 ملياراً في العام 2018. أما السبب المباشر بحسب الخبراء فهو انخفاض ودائع الأفراد، والاستثمارات الخليجية، نتيجة عدم الثقة في الاقتصاد المحلي.

التخفيض الأخير لتصنيف لبنان من قبل وكالة “فيتش” الى CC، أي الى درجة واحدة قبل التخلف عن السداد، دفع بعض المسؤولين السياسيين الى المطالبة بتمويل خارجي عبر مجموعة الدول المانحة أو عبر مؤتمر “سيدر”، بعد أن أصبحت الحلول الداخلية محدودة. وفي هذا السياق بحث رئيس حكومة تصريف الأعمال في 12 كانون الأول الحالي مع البنك الدولي وصندوق النقد، إمكانية تقديم مساعدة فنية إلى لبنان لمساعدته في صياغة خطة إنقاذية، على الرغم من أن بعض الخبراء الاقتصاديين يتحدثون عن ضرورة اللجوء الى قرض مباشر من صندوق النقد.

نتائج تدخّلات صندوق النقد الدولي

“شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية” أعدت من خلال رصدها الدائم منذ 2011 لبرامج صندوق النقد الدولي في البلدان العربية، أوراقاً تظهر نتائج برامج الإصلاح التي نفذها “الصندوق” في مصر وتونس بعد “الربيع العربي”، مع ما رافقها من توصيات على مستوى السياسات العامة وأثرها الاجتماعي والتنموي في هذه البلدان.

تاريخ صندوق النقد الدولي في البلدان العربية

بعد أن كانت الدول العربية تشهد نمواً اقتصادياً وتحسناً في المؤشرات الاجتماعية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، شهدت فترة الثمانينات تراجعاً اقتصادياً يعود الى أسباب عديدة، منها: هبوط أسعار النفط وتراجع الاستثمارات ما أدى الى التوجه نحو برامج الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، التي أشرف على تنفيذها صندوق النقد والبنك الدوليين والتي ترافقت مع حزمة “توافق واشنطن” التي تضمنت الإجراءات التالية: تدابير الاستقرار المالي، تدابير تقشفية من خلال تخفيض الانفاق الحكومي وفرض سياسات ضريبية جديدة وتحرير التجارة بشكل غير مدروس وخصخصة الشركات المملوكة من الدولة. ومن خلال تدخله هذا أصبح صندوق النقد الدولي “شريكاً أساسياً” في صنع السياسات العامة في المنطقة العربية. ويشار هنا الى ان إصلاحات صندوق النقد، في فترة الثمانينات، كانت ذات طابع اقتصادي محض، منطلقة من نظرية “آلية التساقط” Trickledown effect، أي أن النمو الاقتصادي وتشجيع الأعمال والاستثمارات سيؤدي الى نمو على المدى القصير، وسينعكس إيجاباً على المجتمع من خلال خلق فرص العمل على المدى الابعد. وأظهرت دراسات عديدة ان برامج الهيكلة الاقتصادية كانت لها نتائج مفيدة في بعض البلدان، لجهة تحفيز النمو الاقتصادي. لكن المفاعيل الاجتماعية جاءت بعكس النتائج المرجوة، فتوسعت فجوة اللامساواة، وتفاقم الفقر لدى الفئات الاجتماعية الهشة.

وقد قام صندوق النقد الدولي بمراجعة نقدية لمقاربته الاقتصادية البحتة، وظهر ذلك في سنة 2011، بعد الثورات العربية، حيث بدأ تدخل الصندوق يضم عناوين التضمين الاجتماعي، وشبكات الحماية الاجتماعية من اجل حماية الفئات الاجتماعية من الانعكاسات السلبية التي تترافق مع سياسات “الصندوق” في دولة معينة. فهل انعكس هذا التغيير في سردية صندوق النقد الى تغيير حقيقي؟ وكيف كانت نتائج البرامج التي نفذها الصندوق بعد الربيع العربي؟

تجارب مصر وتونس

في العام 2016 أقرض صندوق النقد الدولي مصر 12 مليار دولار أميركي لضمان الاستقرار المكرو – اقتصادي، ودعم النمو. وتضمنت أهداف القرض: تصحيح الاختلال في الميزان التجاري، إعادة تشجيع المنافسة، تحفيز النمو وخلق فرص العمل. وترافق القرض مع مشروع إصلاحات على الحكومة تنفيذها في اطار تسهيلات الصندوق الموسعة Extended Fund Facility، والتي تناولت مروحة واسعة من الإصلاحات على مستوى السياسات العامة، ومنها:

– تحرير سعر صرف الجنيه المصري من أي قيد، ليتم تحديده وفقاً لمتطلبات السوق. الأمر الذي دفع إلى انخفاض قيمة العملة بشكل كبير، وانعكس إيجاباً على المستثمرين، ولكنه أدى الى تضخم غير مسبوق (30%)، بسبب ارتفاع أسعار المواد المستوردة. فتحمل المستهلك عبء تخفيض العملة في بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد للمنتجات الغذائية والزراعية.

– رفع الضريبة على القيمة المضافة من 10 الى 13%، علماً أن المواد الغذائية الأولية معفاة من هذه الضريبة. إلا أن رفع هذه الضريبة ساهم في تخفيض القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة.

– رفع الدعم على سلع أساسية لتخفيض الانفاق الحكومي. وقد أدى هذا الى ارتفاع سعر النفط من 30 الى 47% في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ما انعكس بشكل كبير على أسعار المواد الغذائية والنقل كما انعكس على أسعار الأدوية.

– تثبيت فاتورة الأجور كإحدى التوصيات الأساسية للصندوق لضمان الاستقرار المالي، وقد تمّ ذلك في مصر من خلال إقرار قانون 18 لسنة 2015، الذي يتيح للدولة المصرية أن تنهي العقود أو تخفض الأجور الى 50% بعد تقييم أداء الموظفين، وهذا القانون يحول الدولة المصرية الى جسم اداري يبحث عن تخفيض الكلفة من دون النظر الى الهموم الاجتماعية للموظفين.

صحيح أن الهدف الأساسي من تخفيض الإنفاق هو تأمين دفع استحقاقات الديون بشكل أساسي، إلا أن “الصندوق” يشير أيضاً الى ان المبالغ المدخرة يجب استخدامها في برامج الحماية الاجتماعية التي تستهدف الفقراء والمتقدمين في السن. لكن مع الاسف هذا الجانب يبقى الأضعف في برامج “الصندوق” والاقل إلزاماً.

أما بالنسبة إلى تونس فقد دخلت الحكومة التونسية في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي أدت الى توقيع اتفاق الاستعداد Stand-By Agreement خلال شهر يونيو/حزيران 2013، وكان خطاب “الصندوق” يعطي أهمية كبرى للشق الاجتماعي ومعالجة البطالة في تونس كأولويات للتدخل. ولكن عند توقيع الاتفاق، تحولت الاولويات عن الجوانب الاجتماعية لتتجه نحو إصلاحات هيكلية اقتصادية تشبه الحزم المعتادة لتوصيات “الصندوق”، وتضمنت تحديداً التالي:

– تخفيض الانفاق العمومي على الأجور والدعم.

– اصلاح النظام الضريبي من خلال رفع الضريبة غير المباشرة وتخفيض الضرائب على المستثمرين.

– خصخصة الشركات المملوكة من الدولة.

– دعم الاستثمار من خلال قوانين حماية المستثمرين وتحرير سوق العمل.

هذه السياسات أدت الى زيادة الرسوم والضرائب وإلى ارتفع في الأسعار بنسبة 10% وزيادة معدل التضخم بنسبة 6%. كل ذلك ترافق مع استمرار ارتفاع الدين العام وتزايد نسب البطالة، وعدم تحقيق النمو الاقتصادي مع نهاية الاتفاق سنة 2015. فعمدت تونس مرة جديدة إلى إقتراض مبلغ 2.9 مليار دولار من “الصندوق” في العام 2016، مع برنامج تسهيلات الصندوق الموسعة Extended Fund Facility. وقد تخوف التونسيون، ولا سيما “الاتحاد العام التونسي للشغل” من الآثار الاجتماعية لتطبيق هذا البرنامج خصوصاً لجهة زيادة التضخم وارتفاع الضرائب غير المباشرة، وتحديد الرواتب. فلجأت النقابات وأصحاب الاعمال الى الضغط على الحكومة للتراجع عن تطبيق البرنامج، وبالتالي تراجع الصندوق عن دفع القسم الثاني من قيمة القرض المخصص لتونس.

صندوق النقد الدولي ولبنان

لبنان لم يحصل على قرض من صندوق النقد الدولي لغاية الآن، حتى في ظل الحروب والاحتلال. لكن “الصندوق” كان له تأثير على صناعة السياسات الاقتصادية الداخلية، من خلال تقرير البند الرابع، وهو تقرير سنوي يصدره الصندوق ويقدم توصيات على مستوى السياسات الاقتصادية والمالية للدولة. وقد دعم “الصندوق” سياسة ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي، ولكنه حذر منذ فترة من الكلفة العالية التي يرتبها تثبيت سعر الصرف. كما أن الصندوق اعتبر أن الهندسات المالية التي اعتمدها مصرف لبنان هي سياسات غير مستدامة وتزيد المخاطر الاقتصادية والمالية. وكان “للصندوق” دور في تشجيع التحول في السياسات الضريبية، من الضرائب المباشرة الى الضرائب على القيمة المضافة… وذلك من ضمن سياسة تأمين الاستقرار المالي. كما أشار صندوق النقد الدولي الى مسائل عدة منها مثلاً التضخم في توظيفات القطاع العام، أهمية تلزيم قطاع الكهرباء الى شركات خاصة، بيع بعض أصول القطاع العام أو فرض الشراكة بين القطاعين العام والخاص واعادة هيكلة وجدولة الدين الذي قد يطاول المودعين.

من هنا فان اللجوء الى صندوق النقد الدولي لتأمين المساعدة التقنية قد لا يعطي أي جديد، فمعظم التوصيات المقدمة من الصندوق قد قدمت للبنان في السابق وأخذت في الاعتبار من الحكومات السابقة، أما في حال طلب مساعدة الصندوق المالية فإن التمويل الذي يمكن ان يمنح للبنان يقدر بحوالى 4 مليارات دولار. هذا القرض قد يساهم في أحسن الاحوال في حل الازمة النقدية بشكل موقت، ولكنه في حقيقة الأمر سيشكل استمراراً لسياسة الاستدانة المتبعة منذ 30 عاماً، مع ما ترتبه هذه الإستدانة الخارجية من شروط اقتصادية، قد تكون نتائجها وخيمة على شرائح اجتماعية واسعة في لبنان. من هنا فإن مثل هذا الخيار يعتبر غير مقبول في ظل وضع سياسي غير مستقر وفقدان ثقة اللبنانيين في حكوماتهم. فقرار على هذا المستوى مع تداعياته الاجتماعية الخطيرة يجب أن يترافق مع:

– وجود حكومة تحظى بثقة المواطنين وعلى قدرة التفاوض مع الشركاء الخارجيين وتغليب المصلحة العامة على مصلحة الفئات الحاكمة.

– سياسة إقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، تعالج الأسباب الجذرية للانهيار الاقتصادي الذي نعيشه، لتفادي الوقوع في فخ الاستدانة الخارجية ومشروطيتها على المدى البعيد.

– تعزيز سبل الحوار الوطني، ومشاركة الفئات الاجتماعية في فهم نتائج برامج “الصندوق” أو غيره من الشركاء الدوليين، لتكون هناك مشاركة فاعلة في اتخاذ هذه القرارات. أما فرضها على الناس فسيؤدي الى استدامة لحالة عدم الاستقرار السياسي.

– توزيع عادل للأعباء، من خلال تطبيق تدابير تصاعدية.

– محاربة الفساد بكافة اشكاله، ووقف الهدر والتهرب الضريبي والجمركي، من خلال تعزيز الشفافية واستقلالية القضاء والاجهزة الرقابية.

زهرة بزي – نداء الوطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
error: Content is protected !!